وَلَمَّا قَدِمَ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرَيْنِ إِلَى الْمَدِينَةِ ، قَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَامَ أَبُو بَكْرٍ يُخَاطِبُ ( 1 ) النَّاسَ عَنْهُ ، حَتَّى ظَنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْهُمَا أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى أَنْ عُرِفَ بَعْدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الْقَاعِدُ .
وَكَانَ يَخْرُجُ مَعَهُ إِلَى الْوُفُودِ ، فَيُخَاطِبُ الْوُفُودَ ، وَكَانَ يُخَاطِبُهُمْ فِي مَغِيبِهِ . وَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ هُوَ الَّذِي خَطَبَ النَّاسَ . وَخَطَبَ يَوْمَ السَّقِيفَةِ خُطْبَةً بَلِيغَةً ، انْتَفَعَ بِهَا الْحَاضِرُونَ كُلُّهُمْ ، حَتَّى قَالَ عُمَرُ : " كُنْتُ قَدْ زَوَّرْتُ فِي نَفْسِي مَقَالَةً أَعْجَبَتْنِي أُرِيدُ أَنْ أُقَدِّمَهَا بَيْنَ يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ ، وَكُنْتُ أُدَارِي مِنْهُ بَعْضَ الْحَدِّ ، فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ : عَلَى رِسْلِكَ ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُغْضِبَهُ ، فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ ، وَكَانَ أَحْلَمَ ( 2 ) مِنِّي وَأَوْقَرَ ، وَاللَّهِ مَا تَرَكَ مِنْ كَلِمَةٍ أَعْجَبَتْنِي فِي تَزْوِيرِي إِلَّا قَالَ فِي بَدِيهَتِهِ مِثْلَهَا ، أَوْ أَفْضَلَ مِنْهَا " ( 3 ) .
وَقَالَ أَنَسٌ : خَطَبَنَا أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَنَحْنُ كَالثَّعَالِبِ ، فَمَا زَالَ يُثَبِّتُنَا حَتَّى صِرْنَا كَالْأُسُودِ .
وَكَانَ زِيَادُ بْنُ أَبِيهِ مِنْ أَخْطَبِ النَّاسِ وَأَبْلَغِهِمْ ، حَتَّى قَالَ الشَّعْبِيُّ : مَا تَكَلَّمَ أَحَدٌ فَأَحْسَنَ ، إِلَّا تَمَنَّيْتُ أَنْ يَسْكُتَ ; خَشْيَةَ أَنْ يَزِيدَ فَيُسِيءَ ، إِلَّا زِيَادًا ، كَانَ كُلَّمَا أَطَالَ أَجَادَ - أَوْ كَمَا قَالَ . وَقَدْ كَتَبَ النَّاسُ خُطَبَ زِيَادٍ .
هامش
( 1 ) م : يَخْطُبُ .
( 2 ) م : أَحْكَمَ .
( 3 ) هَذَا جُزْءٌ مِنْ حَدِيثِ السَّقِيفَةِ ، وَسَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِيمَا مَضَى 1 / 518 ، 4 / 365 .