الصَّحَابَةِ ، كَمَا يَظُنُّهُ كَثِيرٌ مِمَّنْ أَعْمَى اللَّهُ بَصِيرَتَهُ . وَمَنْ عَلِمَ أَنَّهَا مَقْصُودَةٌ لِغَيْرِهَا ، عَلِمَ أَنَّ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ عَلِمُوا الْمَقْصُودَ بِهَذِهِ أَفْضَلُ مِمَّنْ لَمْ تَكُنْ مَعْرِفَتُهُمْ مِثْلَهُمْ فِي مَعْرِفَةِ الْمَقْصُودِ ، وَإِنْ كَانَ بَارِعًا فِي الْوَسَائِلِ .
وَكَذَلِكَ الْخَوَارِقُ : كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ صَارَتْ عِنْدَهُ مَقْصُودَةً لِنَفْسِهَا ، فَيُكْثِرُ الْعِبَادَةَ وَالْجُوعَ وَالسَّهَرَ وَالْخَلْوَةَ ; لِيَحْصُلَ لَهُ نَوْعٌ مِنَ الْمُكَاشَفَاتِ وَالتَّأْثِيرَاتِ ، كَمَا يَسْعَى الرَّجُلُ لِيَحْصُلَ لَهُ مِنَ السُّلْطَانِ وَالْمَالِ . وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ إِنَّمَا يُعَظِّمُ الشُّيُوخَ لِأَجْلِ ذَلِكَ ، كَمَا تُعَظَّمُ الْمُلُوكُ وَالْأَغْنِيَاءُ لِأَجْلِ مُلْكِهِمْ وَمِلْكِهِمْ .
وَهَذَا الضَّرْبُ قَدْ يَرَى أَنَّ هَؤُلَاءِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّحَابَةِ ; وَلِهَذَا يَكْثُرُ فِي هَذَا الضَّرْبِ الْمَنْكُوسِ الْخُرُوجُ عَنِ الرِّسَالَةِ ، وَعَنْ أَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَيَقِفُونَ مَعَ أَذْوَاقِهِمْ وَإِرَادَاتِهِمْ ( 1 ) ، لَا عِنْدَ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَيُبْتَلَوْنَ بِسَلْبِ الْأَحْوَالِ ، ثُمَّ الْأَعْمَالِ ، ثُمَّ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ ، ثُمَّ الْإِيمَانِ .
كَمَا أَنَّ [ مَنْ ] ( 2 ) أُعْطِيَ مُلْكًا وَمَالًا فَخَرَجَ فِيهِ عَنِ الشَّرِيعَةِ وَطَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَاتَّبَعَ فِيهِ هَوَاهُ ، وَظَلَمَ النَّاسَ - عُوقِبَ عَلَى ذَلِكَ : إِمَّا بِالْعَزْلِ ، وَإِمَّا بِالْخَوْفِ وَالْعَدُوِّ ، وَإِمَّا بِالْحَاجَةِ وَالْفَقْرِ ، وَإِمَّا بِغَيْرِ ذَلِكَ .
وَالْمَقْصُودُ لِنَفْسِهِ فِي الدُّنْيَا هُوَ الِاسْتِقَامَةُ عَلَى مَا يَرْضَاهُ اللَّهُ وَيُحِبُّهُ ، بَاطِنًا وَظَاهِرًا . فَكُلَّمَا كَانَ الرَّجُلُ أَتْبَعَ لِمَا يَرْضَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، وَأَتْبَعَ لِطَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، كَانَ أَفْضَلَ . وَمَنْ حَصَلَ لَهُ الْمَقْصُودُ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْيَقِينِ وَالطَّاعَةِ بِلَا خَارِقٍ ، لَمْ يَحْتَجْ إِلَى خَارِقٍ .
هامش
( 1 ) م ، س ، ب : وَإِرَادَتِهِمْ
( 2 ) مَنْ : سَاقِطَةٌ مِنْ ( ن ) ، ( س )