فِي الْآيَتَيْنِ مَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مُطْلَقًا ، بَلْ قَدْ يَسْبِقُ ( 1 ) إِلَى الْإِسْلَامِ مَنْ سَبَقَهُ غَيْرُهُ إِلَى الْإِنْفَاقِ وَالْقِتَالِ .
وَلِهَذَا كَانَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِمَّنْ أَسْلَمَ بَعْدَ تِسْعَةٍ وَثَلَاثِينَ ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ أَكْثَرِهِمْ بِالنُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ ، وَبِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، وَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا قَطُّ قَالَ : إِنَّ الزُّبَيْرَ وَنَحْوَهُ أَفْضَلُ مِنْ عُمَرَ ، وَالزُّبَيْرُ أَسْلَمَ قَبْلَ عُمَرَ . وَلَا قَالَ مَنْ يُعْرَفُ مِنْ أَهْلِ [ الْعِلْمِ ] ( 2 ) : إِنَّ عُثْمَانَ أَفْضَلُ مِنْ عُمَرَ ، وَعُثْمَانُ أَسْلَمَ قَبْلَ عُمَرَ .
وَإِنْ كَانَ الْفَضْلُ بِالسَّبْقِ إِلَى الْإِنْفَاقِ وَالْقِتَالِ فَمَعْلُومٌ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَخَصُّ بِهَذَا ، فَإِنَّهُ لَمْ يُجَاهِدْ قَبْلَهُ أَحَدٌ : لَا بِيَدِهِ وَلَا بِلِسَانِهِ ، بَلْ هُوَ مِنْ حِينِ آمَنَ بِالرَّسُولِ يُنْفِقُ مَالَهُ وَيُجَاهِدُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ ، فَاشْتَرَى مِنَ الْمُعَذَّبِينَ فِي اللَّهِ غَيْرَ وَاحِدٍ ، وَكَانَ يُجَاهِدُ مَعَ الرَّسُولِ قَبْلَ الْأَمْرِ بِالْقِتَالِ ( 3 ) وَبَعْدَ الْأَمْرِ بِالْقِتَالِ ( 4 ) . كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا } [ سُورَةُ الْفُرْقَانِ : 52 ] فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَسْبَقَ النَّاسِ وَأَكْمَلَهُمْ فِي أَنْوَاعِ الْجِهَادِ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ .
وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : « إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ ( 5 ) فِي صُحْبَتِهِ وَذَاتِ يَدِهِ - أَبُو بَكْرٍ » ( 6 ) . وَالصُّحْبَةُ بِالنَّفْسِ ، وَذَاتُ الْيَدِ هُوَ الْمَالُ ، فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أَمَنُّ النَّاسِ عَلَيْهِ فِي النَّفْسِ وَالْمَالِ .
هامش
( 1 ) م : سَبَقَ .
( 2 ) الْعِلْمِ : سَاقِطَةٌ مِنْ ( ن ) .
( 3 ) سَاقِطٌ مِنْ ( م ) .
( 4 ) سَاقِطٌ مِنْ ( م ) .
( 5 ) م ، س ، ب : عَلَيْنَا .
( 6 ) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 1 / 512 - 513