قِيلَ : تَصْدِيقُ الرَّسُولِ لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى مَسَائِلَ مُعَيَّنَةٍ مِنْ مَسَائِلِ النِّزَاعِ ، بَلْ مَا جَعَلَهُ أَهْلُ الْكَلَامِ الْمُحْدَثِ أَصْلًا لِلْعِلْمِ بِصِدْقِ الرَّسُولِ ، كَقَوْلِ مَنْ قَالَ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ : إِنَّهُ لَا يُعْلَمُ صِدْقُ الرَّسُولِ إِلَّا بِأَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْعَالَمَ حَادِثٌ ، وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إِلَّا بِأَنْ يُعْلَمَ ( 1 ) أَنَّ الْأَجْسَامَ مُحْدَثَةٌ ، وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْعِلْمِ ( 2 ) بِأَنَّهَا لَا تَنْفَكُّ مِنَ الْحَوَادِثِ : إِمَّا الْأَعْرَاضُ مُطْلَقًا ، وَإِمَّا الْأَكْوَانُ ( 3 ) ، وَإِمَّا الْحَرَكَاتُ ، وَلَا يُعْلَمُ حُدُوثُهَا ( 4 ) حَتَّى يُعْلَمَ امْتِنَاعُ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا ، وَلَا يُعْلَمُ أَنَّهُ صَادِقٌ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّ الرَّبَّ غَنِيٌّ ، وَلَا يُعْلَمَ غِنَاهُ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ .
وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي تَزْعُمُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ أَنَّهَا أُصُولٌ لِتَصْدِيقِ الرَّسُولِ لَا يُعْلَمُ صِدْقُهُ بِدُونِهَا ، هِيَ مِمَّا يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الرَّسُولِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَجْعَلُ إِيمَانَ النَّاسِ مَوْقُوفًا عَلَيْهَا ، بَلْ وَلَا دَعَا النَّاسَ إِلَيْهَا ، وَلَا ذُكِرَتْ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ ، وَلَا ذَكَرَهَا أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ، لَكِنَّ الْأُصُولَ الَّتِي بِهَا يُعْلَمُ ( 5 ) صِدْقُ الرَّسُولِ مَذْكُورَةٌ فِي الْقُرْآنِ ، وَهِيَ غَيْرُ هَذِهِ ، كَمَا قَدْ بُيِّنَ ( 6 ) فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .
وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ ابْتَدَعُوا أُصُولًا زَعَمُوا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَصْدِيقُ الرَّسُولِ إِلَّا بِهَا ، وَأَنَّ مَعْرِفَتَهَا شَرْطٌ فِي الْإِيمَانِ ، أَوْ وَاجِبَةٌ عَلَى الْأَعْيَانِ هُمْ مِنْ أَهْلِ
هامش
( 1 ) ح ، أ ، ر ، ي : وَلَا نَعْلَمُ ذَلِكَ إِلَّا بِأَنْ نَعْلَمَ .
( 2 ) بِالْعِلْمِ : سَاقِطَةٌ مِنْ ( ن ) ، ( م ) .
( 3 ) ن ، م ، ب : الْأَلْوَانُ .
( 4 ) ح : وَلَا نَعْلَمُ حَدَثَهَا .
( 5 ) ر ، ح ، ي : الَّتِي نَعْلَمُ بِهَا .
( 6 ) ن : تَبَيَّنَ .