فَقَوْلُ الْقَائِلِ : " إِسْقَاطُ الْحُدُوثِ " ( 1 ) إِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّ الْمُحْدَثَ عَدَمٌ ; فَهَذَا مُكَابَرَةٌ ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ إِسْقَاطَ الْمُحْدَثِ مِنْ قَلْبِ الْعَبْدِ ، وَأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي قَلْبِهِ إِلَّا الْقَدِيمُ ; فَهَذَا إِنْ أُرِيدَ بِهِ ذَاتُ الْقَدِيمِ فَهُوَ قَوْلُ النُّسْطُورِيَّةِ مِنَ النَّصَارَى ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ مَعْرِفَتُهُ وَالْإِيمَانُ بِهِ وَتَوْحِيدُهُ ، أَوْ قِيلَ : مِثْلُهُ ، أَوِ الْمِثْلُ ( 2 ) الْعِلْمِيُّ ، أَوْ نُورُهُ ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ ، فَهَذَا الْمَعْنَى صَحِيحٌ ، فَإِنَّ قُلُوبَ أَهْلِ التَّوْحِيدِ مَمْلُوءَةٌ بِهَذَا ، لَكِنْ لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ذَاتُ الرَّبِّ الْقَدِيمِ وَصِفَاتُهُ الْقَائِمَةُ بِهِ .
وَأَمَّا أَهْلُ الِاتِّحَادِ الْعَامِّ فَيَقُولُونَ : مَا فِي الْوُجُودِ إِلَّا الْوُجُودُ الْقَدِيمُ ، وَهَذَا قَوْلُ الْجَهْمِيَّةِ .
وَأَبُو إِسْمَاعِيلَ لَمْ يُرِدْ هَذَا ، فَإِنَّهُ قَدْ صَرَّحَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كُتُبِهِ بِتَكْفِيرِ هَؤُلَاءِ الْجَهْمِيَّةِ الْحُلُولِيَّةِ ، الَّذِينَ يَقُولُونَ : إِنَّ اللَّهَ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ ، وَإِنَّمَا يُشِيرُ إِلَى مَا يَخْتَصُّ بِهِ بَعْضَ النَّاسِ .
وَلِهَذَا قَالَ : " أَلَاحَ مِنْهُ لَائِحًا إِلَى أَسْرَارِ طَائِفَةٍ مِنْ صَفْوَتِهِ " .
[ الكلام على رؤية الله تعالى ]
وَالِاتِّحَادُ وَالْحُلُولُ الْخَاصُّ وَقَعَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ الْعُبَّادِ وَالصُّوفِيَّةِ وَأَهْلِ الْأَحْوَالِ ; فَإِنَّهُ ( 3 ) يَفْجَؤُهُمْ مَا يَعْجِزُونَ عَنْ مَعْرِفَتِهِ ، وَتَضْعُفُ عُقُولُهُمْ عَنْ تَمْيِيزِهِ ، فَيَظُنُّونَهُ ذَاتَ الْحَقِّ ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يَظُنُّ أَنَّهُ رَأَى اللَّهَ بِعَيْنِهِ ، وَفِيهِمْ مَنْ يَحْكِي مُخَاطَبَاتِهِ ( 4 ) لَهُ ، وَمُعَاتَبَاتِهِ ( 5 ) . وَذَاكَ كُلُّهُ إِنَّمَا هُوَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ
هامش
( 1 ) و : الْمُحْدَثِ .
( 2 ) ح : أَوْ مِثْلُ ، ب : أَوِ الْمِثَالُ .
( 3 ) ح ، ب : فَإِنَّهُمْ .
( 4 ) ح ، ب : مُخَاطَبَتَهُ .
( 5 ) ح ، ب : وَمُعَاتَبَتَهُ ، ن ، م : وَمُعَايَنَاتِهِ .