يَسْتَوْلِيَ عَلَى الْقَلْبِ شُهُودُ مَعْبُودِهِ وَذِكْرُهُ وَمَحَبَّتُهُ ، حَتَّى لَا يُحِسَّ بِشَيْءٍ آخَرَ ، مَعَ الْعِلْمِ بِثُبُوتِ مَا أَثْبَتَهُ الْحَقُّ مِنَ الْأَسْبَابِ وَالْحِكَمِ ، وَعِبَادَتُهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ، وَلَكِنْ غَلَبَ عَلَى الْقَلْبِ شُهُودُ الْوَاحِدِ ، كَمَا يُقَالُ : غَابَ بِمَوْجُودِهِ عَنْ وُجُودِهِ ، وَبِمَعْبُودِهِ عَنْ عِبَادَتِهِ ، وَبِمَذْكُورِهِ عَنْ ذِكْرِهِ ، وَبِمَعْرُوفِهِ عَنْ مَعْرِفَتِهِ .
كَمَا يُذْكَرُ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُحِبُّ آخَرَ ، فَوَقَعَ الْمَحْبُوبُ فِي الْيَمِّ ، فَأَلْقَى الْمُحِبُّ نَفْسَهُ خَلْفَهُ ، فَقَالَ لَهُ : أَنَا وَقَعْتُ فَلِمَاذَا وَقَعْتَ أَنْتَ ؟ فَقَالَ : غِبْتُ بِكَ عَنِّي ، فَظَنَنْتُ أَنَّ أَنِّي ( 1 ) . فَصَاحِبُ هَذَا الْفَنَاءِ إِذَا غُلِبَ ( 2 ) فِي ذَلِكَ فَهُوَ مَعْذُورٌ ، لِعَجْزِهِ عِنْدَ غَلَبَةِ ذِكْرِ الرَّبِّ عَلَى قَلْبِهِ عَنْ شُعُورِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ ، كَمَا يُعْذَرُ مَنْ سَمِعَ الْحَقَّ فَمَاتَ أَوْ غُشِيَ عَلَيْهِ ، وَكَمَا عُذِرَ مُوسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا صُعِقَ حِينَ تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ .
وَلَيْسَ هَذَا الْحَالُ غَايَةَ السَّالِكِينَ ، وَلَا لَازِمًا لِكُلِّ سَالِكٍ . [ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِكُلِّ سَالِكٍ ] ( 3 ) مِنْهُ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ . فَنَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ ، هُمْ أَفْضَلُ . وَمَا أَصَابَ أَحَدًا مِنْهُمْ هَذَا الْفَنَاءُ وَلَا صَعْقٌ وَلَا مَوْتٌ ( 4 ) عِنْدَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ . وَإِنَّمَا تَجِدُ ( 5 ) هَذَا الصَّعْقُ فِي التَّابِعِينَ ، لَا سِيَّمَا فِي عُبَّادِ الْبَصْرِيِّينَ .
هامش
( 1 ) ب : فَظَنَنْتُ أَنَّكَ أَنَا ، ن ، م : حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّكَ أَنِّي .
( 2 ) ح ، ر ، ب : إِذَا غَابَ .
( 3 ) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ ( ن ) ، ( م ) .
( 4 ) ح ، ب : وَلَا صُعِقَ وَلَا مَاتَ .
( 5 ) تَجِدُ : كَذَا فِي ( ي ) وَفِي ( ن ) تَجِدُ وَفِي ( م ) يَجِدُ وَفِي ( ح ) ، ( ر ) ( و ) ( ب ) تَجَدَّدَ .