يَسْتَلْزِمُ الْجَبْرَ ، وَنَفْسَ كَوْنِ الدَّاعِي وَالْقُدْرَةِ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْفِعْلِ " جَبَرَ " .
قِيلَ : هَذَا الْمَعْنَى حَقٌّ ، وَلَا دَلِيلَ لَكَ عَلَى إِبْطَالِهِ ، وَحُذَّاقُ الْمُعْتَزِلَةِ كَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَأَمْثَالِهِ يُسَلِّمُونَ هَذَا فَيُسَلِّمُونَ أَنَّ مَعَ وُجُودِ الدَّاعِي وَالْقُدْرَةِ يَجِبُ وُجُودُ الْفِعْلِ .
وَصَاحِبُ هَذَا الْكِتَابِ قَدْ سَلَكَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ فَلَا يُمْكِنُهُ مَعَ هَذَا إِنْكَارُ الْجَبْرِ بِهَذَا التَّفْسِيرِ ، وَلِهَذَا ( 1 ) نُسِبَ أَبُو الْحُسَيْنِ إِلَى التَّنَاقُضِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَإِنَّهُ وَأَمْثَالَهُ مِنْ حُذَّاقِ الْمُعْتَزِلَةِ إِذَا سَلَّمُوا أَنَّهُ مَعَ الدَّاعِي وَالْقُدْرَةِ ، يَجِبُ وُجُودُ الْفِعْلِ ، وَسَلَّمُوا أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الدَّاعِيَ وَالْقُدْرَةَ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ ( 2 ) اللَّهُ خَالِقَ أَفْعَالِ الْعِبَادِ .
فَحُذَّاقُ الْمُعْتَزِلَةِ سَلَّمُوا الْمُقَدِّمَتَيْنِ وَمَنَعُوا النَّتِيجَةَ ، وَالطُّوسَيُّ الَّذِي قَدْ عَظَّمَهُ هَذَا الْإِمَامِيُّ ذَكَرَ فِي تَلْخِيصِ الْمُحَصَّلِ لَمَّا ذَكَرَ احْتِجَاجَ الرَّازِيِّ : بِأَنَّ الْفِعْلَ يَجِبُ عِنْدَ وُجُودِ الْمُرَجِّحِ التَّامِّ وَيَمْتَنِعُ عِنْدَ عَدَمِهِ ، فَبَطَلَ ( 3 ) قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ بِالْكُلِّيَّةِ ( 4 ) يَعْنِي الَّذِينَ يَقُولُونَ إِنَّهُ يَفْعَلُ عَلَى وَجْهِ
هامش
( 1 ) أ ، ب : وَبِهَذَا .
( 2 ) يَكُونَ سَاقِطَةٌ مِنْ ( أ ) ، ( ب ) .
( 3 ) ب فَقَطْ : فَقَدْ بَطَلَ .
( 4 ) يَقُولُ الرَّازِيُّ فِي " الْمُحَصِّلِ " ص 141 : وَزَعَمَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ الْعَبْدَ مُوجِدٌ لِأَفْعَالِهِ لَا عَلَى نَعْتِ الْإِيجَابِ بَلْ عَلَى صِفَةِ الِاخْتِيَارِ . لَنَا وُجُوهٌ : الْأَوَّلُ : أَنَّ الْعَبْدَ حَالَ الْفِعْلِ إِمَّا أَنْ يُمْكِنَهُ التَّرْكُ أَوْ لَا يُمْكِنَهُ ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ التَّرْكُ فَقَدْ بَطَلَ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ ، فَإِمَّا أَنْ لَا يَفْتَقِرَ تَرْجِيحُ الْفِعْلِ عَلَى التَّرْكِ إِلَى مُرَجِّحٍ ، وَهُوَ بَاطِلٌ ، لِأَنَّهُ تَجْوِيزٌ لِأَحَدِ طَرَفَيِ الْمُمْكِنِ عَلَى الْآخَرِ لَا لِمُرَجِّحٍ ، أَوْ يَفْتَقِرُ ذَلِكَ الْمُرَجِّحَ ، إِنْ كَانَ مِنْ فِعْلِهِ عَادَ التَّقْسِيمُ ، وَإِلَّا يَتَسَلْسَلُ ، بَلْ يَنْتَهِي لَا مَحَالَةَ إِلَى مُرَجِّحٍ لَا يَكُونُ مِنْ فِعْلِهِ ، ثُمَّ عِنْدَ حُصُولِ ذَلِكَ الْمُرَجِّحِ إِنْ أَمْكَنَ أَنْ لَا يَتَحَصَّلَ ذَلِكَ الْفِعْلُ فَلْنَفْرِضْ ذَلِكَ ، وَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ الْفِعْلُ تَارَةً ، وَلَا يَحْصُلُ أُخْرَى ، مَعَ أَنَّ نِسْبَةَ ذَلِكَ الْمُرَجِّحِ إِلَى الْوَقْتَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ ، فَاخْتِصَاصُ أَحَدِ الْوَقْتَيْنِ بِالْحُصُولِ ، وَوَقْتِ الْآخَرِ بِعَدَمِ الْحُصُولِ ، يَكُونُ تَرْجِيحًا لِأَحَدِ طَرَفَيِ الْمُمْكِنِ الْمُتَسَاوِي عَلَى الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ ، وَهُوَ مُحَالٌ ، وَإِنِ امْتَنَعَ أَنْ لَا يَحْصُلَ فَقَدْ بَطَلَ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ بِالْكُلِّيَّةِ ، لِأَنَّهُ مَتَى حَصَلَ الْمُرَجِّحُ وَجَبَ الْفِعْلُ ، وَمَتَى لَمْ يَحْصُلِ امْتَنَعَ ، فَلَمْ يَكُنِ الْعَبْدُ مُسْتَقِلًّا بِالِاخْتِيَارِ ، فَهَذَا كَلَامٌ قَاطِعٌ .