كتاب الديات
شرح
كتاب الديات
قال في العناية : ذكر الديات بعد الجنايات ظاهر المناسبة لما أن الدية أحد موجبي الجنابة
في الآدمي صيانة له عن القصاص لكن القصاص أشد جناية فلذ قدمه . والكلام فيها من
وجوه : الأول في دليل مشروعيتها ، والثاني في معناها لغة ، والثالث في معناها عند الفقهاء ،
والرابع في سبب وجوبها ، والخامس في فائدتها ، والسادس في ركنها ، والسابع في شرطها ،
والثامن في حكمها . أما دليل المشروعية فقوله تعالى * ( ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة
ودية مسلمة إلى أهله ) * ( النساء : 92 ) الآية . وأما معناها في اللغة فالدية مصدر ودية القاتل
المقتول أعطى ديته وأعطى لوليه المال الذي هو بدل النفس ، ثم قيل لذلك المال الدية تسمية
بالمصدر ، كذا في المغرب . قال في القاموس : الدية حق للقتيل جمعها ديات . وفي الصحاح :
وديت القتيل أديه دية إذا أعطيت ديته . وأما معناها شرعا فالدية عبارة عما يؤدي وقد صار
هذا الاسم علما على بدل النفوس دون غيرها وهو الأرش . وأما سبب وجوبها فالخطأ فإن
الآدمي لما خلق في الأصل معصوم النفس محقون الدم مضمونا عن الهدر فيجب صون حقه
عن البطلان . وأما الخامس وهو فائدتها فهو دفع الفساد وإطفاء نار ولي المقتول . وأما ركنها
فهو الأداء والايتاء . وأما شرط وجوبها فكون المقتول معصوم الدم متقوما بعصمة الدار ومنعة
الاسلام حتى لو أسلم الحربي في دار الحرب ولم يهاجر إلينا فقتل لا تجب الدية . وأما حكمها
فتمحيض ذنب التقصير بالتفكير . وفي المبسوط : يحتاج إلى بيان كيفية وجوب الدية وكيفية
مقدارها . أما كيفية وجوب الدية ففي نفس الحر تجب دية كاملة يستوي فيها الصغير والكبير ،
والوضيع والشريف ، والمسلم والذمي . وقال الشافعي رحمه الله : دية اليهودي والنصراني أربعة
آلاف درهم ، وفي المجوس ثمانمائة ، والصحيح قولنا لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بدية
المستأمنين اللذين قتلهما عمرو ابن أبي أمية كدية حرين مسلمين . وعن الزهري أنه قال : قضى
أبو بكر وعمر في دية الذمي بمثل دية المسلم . ولأنهما يستويان في العصمة والحرية ولهذا
قال علي رضي الله عنه : إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا ونقص