شرح
وأهل الديوان الذين لهم رزق في بيت المال وكتب أسماؤهم في الديوان ، ومن لا ديوان له
فعاقلته من عصبة النسب لا على أهل الديوان . وعند الشافعي رضي الله عنه : العقل
على عصبته من النسب لا على أهل الديوان . وذكر الطحاوي من أصحابنا أنها تجب في مال القاتل
لأن وجوب العقل على العاقلة عرف بخلاف القياس لأن مؤاخذة غير الجاني بالجاني مما يأباه
القياس ، والشرع إنما أوجب على أهل الديوان أو على العشيرة فبقي على ما عداهما على قضية
القياس . ومن ليس له ديوان ولا عشيرة قيل يعتبر المحال ونصرة القلوب فالأقرب ، وقيل
تجب في ماله ، وقيل تجب في مال بيت المال ، وكذلك اللقيط على هذا الخلاف . ولا تعقل
مدينة عن مدينة ، وتعقل مدينة عن قراها لأن العقل إنما بني على التناصر والتعاون وأهل كل
مصر ينتصرون بأهل ديوان مصرهم ولا ينتصرون بديوان أهل مصر آخر ، وأهل كل مصر
ينتصرون بأهل سوادهم وقراهم وإن كان يعبد المنزل منهم لأن البادية بادية واحدة فكانوا
كأهل الديوان في مصر واحد يتعاونون على أهل المصر وإن بعدت منازلهم ، والباديتان إذا
اختلفتا كانتا بمنزلة مصرين وعاقلة المعتق قبيلة مولاه ومولى الموالاة يعقل عنه مولاه وقبيلته .
قال رحمه الله : ( كل دية وجبت بنفس القتل على العاقلة ) والعاقلة الجماعة الذين يعقلون العقل
وهو الدية يقال وديت القتيل إذا أعطيت ديته وعقلت عن القاتل أي أديت عنه ما لزمه من
الدية ، وقد ذكرنا الدية وأنواعها في كتاب الديات . وأما وجوبها على العاقلة فالأصل فيه ما
صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قضى بدية المرأة المقتولة ودية جنينها على عصبة العاقلة فقال أبو القاتلة
المقضى عليه : يا رسول الله كيف أغرم من لا صاح ولا استهل ولا شرب ولا أكل ومثل
ذلك ضلال ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : هذا من الكهان . ولان النفس محرمة فلا وجه إلى
إهدارها ولا إيجاب على المخطئ لأنه معذور فرفع عنه الخطأ وفي إيجاب الكل عليه عقوبة لما
فيه من إجحافه واستئصاله فيضم إليه العاقلة تحقيقا للتخفيف فكانوا أولى بالضم . وقوله كل
دية وجبت بنفس القتل يحترز به عما ينقلب مالا بالصلح أو بالشبهة لأن العدو يوجب
العقوبة فلا يستحق التخفيف فلا تتحمل عنه العاقلة . وفي مبسوط شيخ الاسلام : طعن
بعض وقال لا جناية من العاقلة ووجوب الدية باعتبارها فتكون في مال القاتل يؤيد ذلك
قوله تعالى * ( ولا تزروا زرة وزر أخرى ) * ( الانعام : 164 ) ألا ترى أن من أتلف دابة يضمنها
في ماله فكذا إيجاب الدية . قلنا : إيجاب الدية على العاقلة مشهور ثبت بالأحاديث المشهورة
وعليه عمل الصحابة ومن بعدهم يتراد به على كتاب الله تعالى .
قال رحمه الله : ( وهي أهل الديوان إن كان القاتل منهم ) تؤخذ من عطاياهم في ثلاث
سنين . وأهل الديوان هم الجيش الذين كتبت أسماؤهم في الديوان وهذا عندنا . وقال
الشافعي : على أهل العشيرة لما روينا وكان كذلك إلى أيام عمر رضي الله عنه ولا نسخ بعد
النبي صلى الله عليه وسلم فيبقى على ما كان ولأنها صلة والأقارب أولى بها كالإرث والنفقات . ولنا أقضية