القسم الثاني من الباب الأول
في صناعة تركيب الألفاظ
اعلم أن اللفظة قبل دخولها في سبل التأليف ، وقبل أن تصير إلى الصورة التي تسمى كلاماً ، دالاً على معنى من المعاني ، لا يكون لها مزية على أختها ، التي في معناها ، إلا بأن تكون هذه أشرف من هذه بعلامات توجد فيها . إما أن تكون إحداهما مستعملة مألوفة ، والأخرى وحشية متوعرة ، وإما أن تكون حروف هذه أخف حركة أو أحسن امتزاجاً مع صواحيها أو غير ذلك مما قدمنا ذكره . ولا يتصور بين اللفظتين تفاضل في الدلالة على المعنى الذي اشتراكا فيه ، حتى تكون إحداهما أحسن في الدلالة على ذلك المعنى من الأخرى ؛ ولنضرب لهذا مثالا فنقول : لا يخفى على من له ذوق صحيح ، وفطرة سليمة ، أن لفظة الليث أو الأسد أحسن دلالة ( على ) مسماها من لفظة ( الفدوكس ) أو ( العميثل ) فثبت بهذا الدليل أن الكلمة لا يكون لها مزية على أختها إلا بعلامات توجد فيها دون تلك ، وهذا لا يثبته على اعتماد وقصده في الكلام إلا الفطن اللبيب ، الذي له عناية بصناعته . وكثيراً ما رأينا من يحكم على الألفاظ بالجودة والرداءة ، وإذا طولب بدليل يثبت له ما ادعاه لا يحير جواباً ، الا تحكما محضاً ، لا حاصل وراءه . ولا يعلم إنه لا يجوز القائل أن يقول : هذا الكلام جيد أو رديء ، إلا بعد أن يعتبر كل لفظة منه على انفرادها ، ويعرض عليها تلك الصفات التي ذكرناها أولاً في كتابنا
الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 64
مساهمون: ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي
ص٦٤