تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
النوع السابع من الباب الثاني في تكرير الحروف اعلم أن هذا النوع لا يتعلق بتكرير الألفاظ ولا تكرير المعاني مما سبق ذكره في باب التكرير ، لأن تكرار الحروف هو أن يأتي حرف واحد أو حرفان في كل لفظة من ألفاظ الكلام أو في أكثرها ، فيثقل على اللسان النطق بها ، فمن ذلك ما أشده الجاحظ : وقبر حربٍ بمكان قفرٍ . . . وليس قُربَ قبر حربٍ قبر ألا ترى إلى هذه الراءات ، والقافات التي في هذا البيت من الشعر ؟ فإنها في تتابعها كالسلسلة ، ولا خفاء بما على الناطق بها من الكلفة ، وليس الكلام العاري من ذلك بمعوز ولا بعزيز ، ولا هو بالذي لا يستطيعه إلا الشاعر المبرز أو الكاتب المفلق بل هو مما يصعب النطق به . ولذلك كان الكلام الناس في محاوراتهم ، ومكاتباتهم ، خالياً من هذا القبيل ، وذلك لأنه لا يحصل إلا بالتكلف والقصد للإتيان به ، فأما إذا أرسل الإنسان نفسه على سجيتها ، وخلى بينها وبين طبعها فإنه لا يعرض له ذلك . فليت شعري أي أمر يضطر مؤلف الكلام حتى يأتي به مستكرهاً ثقيلاً على اللسان ، ويترك ما هو أسهل عليه . ألم تعلم أن العرب الذين هم الأصل في هذه اللغة قد عدلوا عن تكرار الحروف في كثير من كلامهم ؟ وذاك أنه إذا تكررت الحروف عندهم أدغموها استحساناً ، فقالوا : في جعل لك . ( جعل لك ) وفي تضربونني ( تضربوني ) . وكذلك ( استعد فلان للأمر ) إذا تأهب له والأصل فيه ( استعدد ) ، ( واستتب الأمر ) إذا تهيأ وكمل ( وأصله استتبب ) وأشباه هذا كثيرة في كلام العرب ، حتى إنهم لشدة كراهتهم لتكرار الحروف أبدلوا أحد الحرفين ، لما تكرر ، حرفاً آخر غيره فقالوا : أمليت الكتاب ) والأصل من ذلك ( أمللت ) فأبدلوا