فيا أيها الحيران في ظلمة الدجى . . . ومنَ خاف أن يلقاهَ بَغْيٌ من العِدا
تعالَ إليه تلقَ من نور وَجهْة . . . ضياءً ومن كفيّه بحراً من النّدى
وكان يجب لهذا الشاعر أن يجعل بإزاء ( بغي من العدا ) ما يناسبه من النصرة أو الادالة فأما الإعانة أو ما جرى هذا المجرى ، ليكون ذلك تفسيراً كما جعل بإزاء الظلمة الضياء وفسرها به ، فأما أن وضع بإزاء ما يتخوف منه ( بحراً من الندى ) ( فإنه ) لا يكون تفسيراً له وأمثال هذا كثيرة ، فلتجتنب .
النوع الحادي والعشرون من الباب الأول من الفن
الثاني
في الخطاب بالجملة الفعلية والخطاب بالجملة
الاسمية المؤكدة بأن المشددة وتفضيل أحدهما على الآخر .
وذلك كقولنا ( قام زيد ) ، و ( إن زيداً قائم ) فقولنا : قام زيد . معناه ؛ الإخبار عن زيد بالقيام . وقولنا : إن زيداً قائم ، معناه ؛ الإخبار عن زيد بالقيام أيضاً . إلا أن في الثاني زيادة ليست في الأول ، وهو توكيده بأن المشددة التي من شأنها الإثبات لما يأتي بعدها من الكلام ، فمن هذا النحو قوله تعالى : ( وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا : آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا : إنا معكم إنما نحن مستهزؤن ) . فإنهم إنما خاطبوا المؤمنين بالجملة الفعلية ، وشياطينهم بالجملة الاسمية المحققة بأن المشددة ،
فقالوا : في خطاب المؤمنين ( آمنا ) ولإخوانهم ( إنا معكم ) لأنهم في مخاطبة إخوانهم بما أخبروا به عن أنفسهم من الثبات على اعتقاد الكفر والبعد من أن يزلوا على صدق ورغبة ووفور نشاط ، وكان ذلك متقبلاً منهم ورابحاً عند إخوانهم . وما قالوه للمؤمنين فإنما قالوه تكلفاً وإظهاراً للإيمان ، خوفاً ومداجاة ، وكانوا يعلمون أنهم لو قالوه بأوكد لفظ وأشده لما راج لهم عند المؤمنين إلا رواجاً ظاهراً لا باطناً ، ولأنهم ليس لهم من عقائدهم باعث قوي على النطق في خطاب المؤمنين بمثل ما خاطبوا به إخوانهم ،
الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 224
مساهمون: ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي
ص٢٢٤