تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 22

مساهمون:

ص٢٢
ألفاظ جيدة حسنة ، فإنه لا يكون لها مزية ورونق إلا بإيداعها معنى شريفاً واضحاً ؛ لأن الألفاظ لا تراد لنفسها ، وإنما تجعل أدلة على المعاني ، فإذا عد مت الذي يراد منها لم يعتد لها بالأوصاف التي تكون لها . ألا ترى أن قولك ( فعولن مفاعلين . . . ) ليس له من الحلاوة والرونق ما لقولك : تَضَوَّعَ مِسكاَ بَطْنُ نَعْمانَ إذ مشتْ . . . به زَيْنَبٌ في نِسْوةٍ خَفِراتِ وذلك لخلوه من المعنى المفهوم ؟ وهذا مما لا يحتاج فيه إلى زيادة في القول ، لبيانه ووضوحه . ومن المعلوم أن جماعة العقلاء من الخاصة والعامة يعرفون المعاني ، ويصيبون فيها ، إلا أنهم لا يقدرون على إبرازها في لباس أنيق مناسب لها ، لعدم الطبع المجيب إلى ذلك . ألا ترى إنه حكي عن المبرد ، وهو من أكبر علماء العربية وأفخمهم شأناً ، وصاحب قول ومذهب ، إنه قال : لا أحتاج إلى وصف نفسي لعلم الناس بي ، إنه ليس أحد يختلج في قلبه مسألة مشكلة إلا لقيني بها ، وأعدني لها ؛ فأنا عالم ومتعلم ، وحافظ ودارس ، لا يخفي علي مشتبه من الشعر والنحو ، والكلام المنثور ، من الخطب والرسائل ، ولربما احتجت إلى اعتذار من قلة إلى بعض الأصدقاء ، أو التماس لحاجة ، فاجعل المعنى الذي أقصده نصب عيني ، ثم لا أجد سبيلاً إلى التعبير عنه بما أرتضيه . ولقد بلغني أن عبيد الله بن سليمان ذكرني بجميل ، فحاولت أن
الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 22 | ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي / مصطفى جواد