تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
أن يصح لهم صدقه أو كذبه ، ألا ترى إلى قوله تعالى ( لما جاءه ) أي إنه ضعيف العقل عازب الرأي فعدل عن ذلك إلى ما هو دليل عليه وأردف له و ( هو ) قوله تعالى ( لما جاءه ) وذلك آكد وأبلغ ومن هذا الباب أيضاً . ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى ، وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم ، إن هذا إلا سحر مبين ) والكلام على ذلك كالكلام على الذي قبله فاعرفه .

الفرع الثاني من الأرداف

وهو باب ( مثل ) وذلك دقيق الصفة لطيف المغزى اعلم أن العرب تأتي ( بمثل ) في هذا الموضع توكيداً للكلام وتثبيتاً لأمره . يقول الرجل إذا نفى عن نفسه القبيح : ( مثلي لا يفعل هذا ) أي أنا لا أفعله فنفى ذلك عن مثله وهو يريد نفيه عن نفسه ، قصداً للمبالغة ، فسلك به طريق الكناية ، لأنه إذا نفاه عمن يماثله أو يشابهه فقد نفاه عنه لا محالة . وكذلك أيضاً قولهم ( مثلك إذا سئل أعطى ) أي أنت كذلك ، وهو كثير في الشعر القديم والمولد والكلام المنثور . وسبب توكيد هذه المواضع ب ( مثل ) أنه يراد أن يجعل من جماعة هذه أوصافهم ، تثبيتاً للأمر ، وتمكيناً له ولو كان فيه وحده لقلق منه موضعه ، ولم ترس فيه قد مُه . ومثل ذلك قولهم في مدح الإنسان : ( أنت من القوم الكرام ) أي لك في هذا الفعل سابقة ، وأنت حقيق به ، ولست دخيلاً فيه . وقد ورد هذا الباب في القرآن الكريم ، كقوله تعالى ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) . وهذا كقولهم ( مثلك لا يبخل ) فنفوا البخل عن مثله وهم يريدون نفيه عن ذاته ، قصداً للمبالغة : لأنهم إذا نفوه عمن يسد مسده ، وهو على أخص أوصافه ، فقد نفوه عنه . ونظير ذلك قولك للعربي ( العرب لا تخفر الذمم ) .