تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
وَإِذا وَقع التصدي لتشريع عَام وَإِصْلَاح جَمَاهِير النَّاس وَطَوَائِف الْعَرَب والعجم وَجب أَلا يُخَيّر فِي ذَلِك الشَّهْر ليختار كل وَاحِد شهرا يسهل عَلَيْهِ صَوْمه ، لِأَن فِي ذَلِك فتحا لباب الِاعْتِذَار والتسلل ، وسدا لباب الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وإخمالا لما هُوَ من أعظم طاعات الْإِسْلَام ، وَأَيْضًا فَإِن اجْتِمَاع طوائف عَظِيمَة من الْمُسلمين على شَيْء وَاحِد فِي زمَان وَاحِد يرى بَعضهم بَعْضًا - مَعُونَة لَهُم على الْفِعْل ، ميسر عَلَيْهِم ، ومشجع إيَّاهُم ، وَأَيْضًا فان اجْتِمَاعهم هَذَا لنزول البركات الملكية على خاصتهم وعامتهم وَأدنى أَن ينعكس أنوار كملهم على من دونهم وتحيط دعوتهم من وَرَاءَهُمْ . وَإِذا وَجب تعْيين ذَلِك الشَّهْر فَلَا أَحَق من شهر نزل فِيهِ الْقُرْآن ، وارتسخت فِيهِ الْملَّة المصطفوية وَهُوَ مَظَنَّة لَيْلَة الْقدر على مَا سَنذكرُهُ . ثمَّ لَا بُد من بَيَان الْمرتبَة الَّتِي لَا بُد مِنْهَا لكل خامل وَنبيه وفارغ ومشغول وَالَّتِي إِن أخطأها أَخطَأ أصل الْمَشْرُوع والمرتبة المكملة الَّتِي هِيَ مشرع الْمُحْسِنِينَ ومورد السَّابِقين ، فَالْأولى صَوْم رَمَضَان والاكتفاء على الْفَرَائِض الْخمس ، فورد " من صلى الْعشَاء وَالصُّبْح فِي جمَاعَة فكأنما قَامَ اللَّيْل " وَالثَّانيَِة زَائِدَة على الأولى كَمَا وكيفا وَهِي قيام لليالية وتنزيه اللِّسَان والجوارح ، وَسِتَّة من شَوَّال ، وَثَلَاثَة من كل شهر ، وَصَوْم يَوْم عَاشُورَاء وَيَوْم عَرَفَة ، واعتكاف الْعشْر الْأَوَاخِر ، فَهَذِهِ الْمُقدمَات تجْرِي مجْرى الْأُصُول فِي بَاب الصَّوْم ، فَإِذا تمهدت حَان أَن نشتغل بشرح أَحَادِيث الْبَاب . ( فضل الصَّوْم ) قَالَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِذا دخل رَمَضَان فتحت أبوب الْجنَّة - وَفِي رِوَايَة - أَبْوَاب الرَّحْمَة وغلقت أَبْوَاب جَهَنَّم وسلسلت الشَّيَاطِين " أَقُول : اعْلَم أَن هَذَا الْفضل إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جمَاعَة الْمُسلمين فَإِن الْكفَّار فِي رَمَضَان أشد عَمها وَأكْثر ضلالا مِنْهُم فِي غَيره ، لتماديهم فِي هتك شَعَائِر الله ، وَلَكِن الْمُسلمين إِذا صَامُوا ، وَقَامُوا ، وغاص كملهم فِي لجة الْأَنْوَار ، وأحاطت دعوتهم من ورائهم ، وانعكست أضواؤهم على من دونهم ، وشملت بركاتهم جَمِيع فئتهم ، وتقرب كل حسب استعداده من المنجيات ، وتباعد من المهلكات - صدق أَن أَبْوَاب الْجنَّة تفتح عَلَيْهِم ، وَأَن أَبْوَاب جَهَنَّم تغلق عَنْهُم لِأَن أَصلهمَا الرَّحْمَة واللعنة ، وَلِأَن اتِّفَاق أهل الأَرْض فِي صفة تجلب مَا يُنَاسِبهَا من جود الله كَمَا ذكرنَا فِي الاسْتِسْقَاء وَالْحج ، وَصدق أَن الشَّيَاطِين تسلسل عَنْهُم ، وَأَن الْمَلَائِكَة تَنْتَشِر فيهم ، لِأَن الشَّيْطَان لَا يُؤثر إِلَّا فِيمَن استعدت نَفسه