تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
وَاعْلَم أَن هَهُنَا وَجْهَيْن متعارضين ، وَذَلِكَ أَن الزِّنَا مَعْصِيّة كَبِيرَة يجب إخمالها وَإِقَامَة الْحَد عَلَيْهَا والمؤاخذة بهَا ، وَكَذَلِكَ الْقَذْف مَعْصِيّة كَبِيرَة ، وَفِيه إِلْحَاق عَار عَظِيم يجب إِقَامَة الْحَد عَلَيْهَا ، وَيشْتَبه الْقَذْف بِالشَّهَادَةِ على الزِّنَا ، فَلَو أَخذنَا الْقَاذِف لنقيم عَلَيْهِ الْحَد يَقُول : أَنا شَاهد على الزِّنَا ، وَفِيه بطلَان لحد الْقَذْف وَالَّذِي هُوَ شَاهد على الزِّنَا يذبه عَن نَفسه الْمَشْهُود عَلَيْهِ بِأَنَّهُ قَاذف يسْتَحق الْحَد ، فَلَمَّا تعَارض الحدان فِي هَذِه الْجُمْلَة عَن سياسة الْأمة وَجب أَن يفرق بَينهمَا بِأَمْر ظَاهر وَذَلِكَ كَثْرَة المخبرين ، فَإِنَّهُم إِذا كَثُرُوا قوى ظن الشَّهَادَة والصدق ، وَضعف ظن الْقَذْف ، فان الْقَذْف يستدعى جمع صفتين : ضَعِيف فِي الدّين ، وغل بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَقْذُوف ، وَيبعد أَن يجتمعا فِي جمَاعَة من الْمُسلمين وَإِنَّمَا لم يكتف بعدالة الشَّاهِدين لِأَن الْعَدَالَة مَأْخُوذَة فِي جَمِيع الْحُقُوق ، فَلَا يظْهر للتعارض أثر ، وضبطت الْكَثْرَة بِضعْف نِصَاب الشَّهَادَة . وَإِنَّمَا جعل حد الْقَذْف ثَمَانِينَ لِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَن يكون أقل من الزِّنَا ، فان إِشَاعَة فَاحِشَة لَيست بِمَنْزِلَة فعلهَا ، وَضبط النُّقْصَان بِمِقْدَار ظَاهر وَهُوَ عشرُون ، فَإِنَّهُ خمس الْمِائَة وَإِنَّمَا جعل من تَمام حَده عدم قبُول الشَّهَادَة لما ذكرنَا أَن الايلام قِسْمَانِ : جسماني . ونفساني . وَقد اعْتبر الشَّرْع جَمعهمَا فِي جَمِيع الْحُدُود لَكِن جمع مَعَ حد الزِّنَا التَّغْرِيب لِأَن الزِّنَا عِنْد سياسة وُلَاة الْأُمُور وَغَيره الأؤلياء لَا يتَصَوَّر إِلَّا بعد مُخَالطَة وممازجة وَطول صُحْبَة وائتلاف ، فَجَزَاؤُهُ الْمُنَاسب لَهُ أَن يجلى عَن مَحل الْفِتْنَة ، وَجمع مَعَ حد الْقَذْف عدم قبُول الشَّهَادَة ، لِأَنَّهُ إِخْبَار ، وَالشَّهَادَة إِخْبَار ، فجوزي بِعَارٍ من جنس الْمعْصِيَة فان عدم قبُول الشَّهَادَة من الْقَاذِف عُقُوبَة ، وَعدم قبُولهَا من سَائِر العصاة لفَوَات الْعَدَالَة وَالرِّضَا ، وَأَيْضًا فقد ذكرنَا أَن الْقَاذِف لَا يعجز أَن يَقُول : أَنا شَاهد فَيكون سد هَذَا الْبَاب أَن يُعَاقب بِمثل مَا احْتج بِهِ ، وَجمع فِي حد الْخمر التبكيت . وَاخْتلفُوا فِي قَوْله تَعَالَى : { إِلَّا الَّذين } . هَل الِاسْتِثْنَاء رَاجع إِلَى عدم قبُول الشَّهَادَة أم لَا ؟ وَالظَّاهِر مِمَّا مهدنا أَن الْفسق لما انْتهى وَجب أَن يَنْتَهِي أَثَره وعقوبته ، وَقد اعْتَبرهُ الْخُلَفَاء لحد الزِّنَا فِي تنصيف الْعقُوبَة على الأرقاء . قَالَ تَعَالَى : { السَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا جَزَاء بِمَا كسبا نكالا من الله وَالله عَزِيز حَكِيم } . اعْلَم أَن النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث مُبينًا لما أنزل إِلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى :