تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧
وَإِمَّا أَن يكون إيلاما لَهُ وقسرا عَلَيْهِ ، وسر ذَلِك أَن الْعَمَل يَقْتَضِي فِي حِكْمَة الله أَن يجازى فِي نَفسه أوماله ، فَصَارَ مُقيم الْحَد خَليفَة الله فِي المجازاة فَتدبر . قَالَ الله تَعَالَى : { الزَّانِيَة وَالزَّانِي فاجلدوا كل وَاحِد مِنْهُمَا مائَة جلدَة } . وَقَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ : إِن الله بعث مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِّ ، وَأنزل عَلَيْهِ الْكتاب ، فَكَانَ مِمَّا أنزل الله آيَة الرَّجْم ، رجم رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورجمنا بعده ، وَالرَّجم فِي كتاب الله حق على من زنى إِذا أحصن من الرِّجَال وَالنِّسَاء . أَقُول : إِنَّمَا جعل حد الْمُحصن الرَّجْم ، وحد غير الْمُحصن الْجلد ؛ لِأَنَّهُ كَمَا يتم التَّكْلِيف ببلوغ خمس عشر سنة أَو نَحوه ، وَلَا يتم دون ذَلِك لعدم تَمام الْعقل وَتَمام الجثة وَكَونه من الرِّجَال فَلذَلِك يَنْبَغِي أَن تَتَفَاوَت الْعقُوبَة المترتبة على التَّكْلِيف بأتمية الْعقل وصيرورته رجلا كَامِلا مُسْتقِلّا بأَمْره مستبدا بِرَأْيهِ ، وَلِأَن الْمُحصن كَامِل وَغير الْمُحصن نَاقص ، فَصَارَ وَاسِطَة بَين الْأَحْرَار الكاملين وَبَين العبيد ، وَلم يعْتَبر ذَلِك إِلَّا فِي الرَّجْم خَاصَّة لِأَنَّهُ أَشد عُقُوبَة شرعت فِي حق الله . وَأما الْقصاص فَحق النَّاس وهم محتاجون ، فَلَا يضيع حُقُوقهم . وَأما حد السّرقَة وَغَيرهَا فَلَيْسَ بِمَنْزِلَة الرَّجْم وَلِأَن الْمعْصِيَة مِمَّن أنعم الله عَلَيْهِ وفضله على كثير من خلقه أقبح وأشنع لِأَنَّهَا أشد الكفران ، فَكَانَ من حَقّهَا أَن يُزَاد فِي الْعقُوبَة لَهَا ، وَإِنَّمَا جعل حد الْبكر مائَة جلدَة لِأَنَّهَا عدد كثير مضبوط يحصل بِهِ الزّجر والإيلام ، وَإِنَّمَا عُوقِبَ بالتغريب لِأَن الْعقُوبَة المأثرة تكون على وَجْهَيْن : إيلام فِي الْبدن وإلحاق حَيَاء وخجالة وعار وفقد مألوف فِي النَّفس ، وَالْأول عُقُوبَة جسمانية ، وَالثَّانِي عُقُوبَة نفسانية ، وَلَا تتمّ الْعقُوبَة إِلَّا بِأَن تجمع الْوَجْهَيْنِ : قَالَ الله تَعَالَى : { فَإِذا أحصن فَإِن أتين بِفَاحِشَة فعليهن نصف مَا على الْمُحْصنَات من الْعَذَاب } . أَقُول السِّرّ فِي تصنيف الْعقُوبَة على الأرقاء أَنهم يُفَوض أَمرهم إِلَى مواليهم ، فَلَو شرع فيهم مزجرة بَالِغَة أقْصَى المبالغ لفتح ذَلِك بَاب الْعدوان بِأَن يقتل الْمولى عَبده ، ويحتج بِأَنَّهُ زَان ، وَلَا يكون سَبِيل الْمُؤَاخَذَة عَلَيْهِ ، فنقص من حَدهمْ ، وَجعل مَا لَا يُفْضِي إِلَى الْهَلَاك ، وَالَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي الْفرق بَين الْمُحصن وَغَيره يَتَأَتَّى هُنَا . قَالَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " خُذُوا عني ، خُذُوا عني ، قد جعل الله لَهُنَّ سَبِيلا الْبكر بالبكر جلد مائَة ، وتغريب عَام ، وَالثَّيِّب بِالثَّيِّبِ ، جلد مائَة ، وَالرَّجم " وَعمل بِهِ عَليّ رَضِي الله عَنهُ
حجة الله البالغة — صفحة 247 | ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي ) / السيد سابق