تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
وَمِنْهَا أَنهم اطمأنوا بالتقليد ، ودب التَّقْلِيد فِي صُدُورهمْ دَبِيب النَّمْل وهم لَا يَشْعُرُونَ ، وَكَانَ سَبَب ذَلِك تزاحم الْفُقَهَاء وتجادلهم فِيمَا بَينهم فإنهم لما وَقعت فيهم الْمُزَاحمَة فِي الْفَتْوَى كَانَ كل من أفتى بِشَيْء نوقض فِي فتواه ، ورد عَلَيْهِ ، فَلم يَنْقَطِع الْكَلَام إِلَّا بميسر إِلَى تَصْرِيح رجل من الْمُتَقَدِّمين فِي الْمَسْأَلَة . وَأَيْضًا جور الْقُضَاة فان الْقُضَاة لما جَار أَكْثَرهم ، وَلم يَكُونُوا أُمَنَاء لم يقبل مِنْهُم إِلَّا مَا يريب الْعَامَّة فِيهِ ، وَيكون شَيْئا قد قيل من قبل . وَأَيْضًا جهل رُءُوس النَّاس واستفتاء النَّاس من لَا علم لَهُ بِالْحَدِيثِ ، وَلَا بطرِيق التَّخْرِيج كَمَا ترى ذَلِك ظَاهرا فِي أَكثر الْمُتَأَخِّرين ، وَقد نبه عَلَيْهِ ابْن الْهمام وَغَيره ، وَفِي ذَلِك الْوَقْت يُسمى غير الْمُجْتَهد فَقِيها . وَمِنْهَا أَن أقبل أَكْثَرهم على التعمقات فِي كل فن ، فَمنهمْ من زعم أَنه يؤسس علم أَسمَاء الرِّجَال وَمَعْرِفَة مَرَاتِب الْجرْح وَالتَّعْدِيل ، ثمَّ خرج من ذَلِك إِلَى التَّارِيخ قديمه وَحَدِيثه . . ، وَمِنْهُم من تفحص عَن نَوَادِر الْأَخْبَار وغرائبها وَإِن دخلت فِي حد الْمَوْضُوع . . . ، وَمِنْهُم من كثر القيل والقال فِي أصُول الْفِقْه ، واستنبط كل لأصحابه قَوَاعِد جدلية ، فأورد ، فاستقصى ، وَأجَاب ، وتفصى ، وَعرف ، وَقسم ، فحور طول الْكَلَام تَارَة وَتارَة أُخْرَى اختصر . ، وَمِنْهُم من ذهب إِلَى هَذَا بِفَرْض الصُّور المستبعدة الَّتِي من حَقّهَا أَلا يتَعَرَّض لَهَا عَاقل وبفحص العمومات والايماآت من كَلَام المخرجين فَمن دونهم مِمَّا لَا يرتضى استماعه عَالم وَلَا جَاهِل . وفتنة هَذَا الجدل وَالْخلاف والتعمق قريبَة من الْفِتْنَة الأولى حِين تشاجروا فِي الْملك ، وانتصر كل رجل لصَاحبه ، فَكَمَا أعقبت تِلْكَ ملكا عَضُوضًا ووقائع صماء عمياء ، فَكَذَلِك أعقبت هَذِه جهلا واختلاطا وشكوكا ووهما مَا لَهَا من أرجاء ، فَنَشَأَتْ بعدهمْ قُرُون على التَّقْلِيد الصّرْف لَا يميزون الْحق من الْبَاطِل وَلَا الجدل عَن الاستنباط . . ، فالفقيه يَوْمئِذٍ هُوَ الثرثار المتشدق الَّذِي حفظ أَقْوَال الْفُقَهَاء قويها وضعيفها من غير تَمْيِيز وسردها بشقشقة شدقية . . . ، والمحدث من عد الْأَحَادِيث صحيحها وسقيمها وهذها كهذ الأسمار