تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ بغداد أو تاريخ مدينة السلام ( تحقيق بشار ) — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
استحسانا لما يجرى بينهما ، فسمعته يوما قد أنشد بيتا لا أذكره الآن ، فَقَالَ لَهُ أَبِي : أيها الْقَاضِي أني أحفظ هَذَا البيت بخلاف هَذِهِ الرواية ، فصاح عَلَيْهِ صيحة عظيمة ، وَقَالَ : اسكت ، ألِي تقول هَذَا ؟ وأنا أحفظ لنفسي من شعري خمسة عشرة ألف بيت ، وأحفظ للناس أضعاف ذلك وأضعافه يكررها مرارا أَخْبَرَنَا عَلِيّ بْن أَبِي عَلِيّ ، عَنْ أَبِي الْحَسَن مُحَمَّد بْن يوسف الأزرق ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْقَاضِي أَبُو طالب مُحَمَّد ابْن الْقَاضِي أَبِي جعفر بْن البهلول ، قَالَ : كنت مع أَبِي فِي جنازة بعض أهل بغداد من الوجوه وإلى جانبه فِي الحق جالس أَبُو جعفر الطبري ، فأخذ أَبِي يعظ صاحب المصيبة ويسليه ، وينشده أشعارا ، ويروي لَهُ أخبارا . فداخله الطبري فِي ذلك ودأب معه ، ثم اتسع الأمر بينهم فِي المذاكرة ، وخرجا إلي فنون كثيرة من الأدب والعلم ، استحسنها الحاضرون وعجبوا منها ، وتعالى النهار وافترقنا ، فلما حصلت أسير خلفه ، قَالَ لي أَبِي : يا بني ، هَذَا الشيخ الَّذِي داخلنا اليوم فِي المذاكرة من هو ؟ أتعرفه ؟ فقلت : يا سيدي ، كأنك لم تعرفه ، فَقَالَ : لا ، فقلت : هَذَا أَبُو جعفر مُحَمَّد بْن جرير الطبري ، فَقَالَ : تالله ، ما أحسنت عشرتي يا بني فقلت ، كيف يا سيدي ؟ قَالَ : ألا قلت لي فِي الحال فكنت أذاكره غير تلك المذاكرة ، هَذَا رجل مشهور بالحفظ والاتساع فِي صنوف من العلم ، وما ذاكرته بحسبها ، قَالَ : ومضت على هَذَا مدة فحضرنا فِي حق آخر ، وجلسنا فإذا بالطبري يدخل إلي الحق ، فقلت لَهُ : قليلا قليلا أيها الْقَاضِي ، هَذَا أَبُو جعفر الطبري قد جاء مقبلا ، قَالَ : فأومأ إليه بالجلوس عنده ، فعدل إليه ، فأوسعت لَهُ حتى جلس إِلَى جنبه ، وأخذ أَبِي يحادثه ، فكلما جاء إِلَى قصيدة ذكر الطبري منها أبياتا ، قَالَ أَبِي : هاتها يا أَبَا جعفر إِلَى آخرها ، فيتلعثم