تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ بغداد أو تاريخ مدينة السلام ( تحقيق بشار ) — صفحة 636

مساهمون:

ص٦٣٦
ابن يوسف في الحكام لا نظير له عقلا وحلما وذكاء ، وتمكنا واستيفاء للمعاني الكثيرة باللفظ اليسير ، مع معرفته باقدار الناس ومواضعهم ، وحسن التأني في الأحكام ، والحفظ لما يجرى على يده أخبرنا علي بن المحسن ، قَالَ : أخبرنا طلحة بن محمد بن جعفر الشاهد ، قَالَ : أبو عمر محمد بن يوسف ، من تصفح أخبار الناس لم يخف عليه موضعه ، وإذا بالغنا في وصفه كنا إلى التقصير فيما نذكره من ذلك أقرب ، ومن سعادة جده أن المثل ضرب بعقله وحلمه ، وانتشر على لسان الخطير والحقير ذكر فضله ، حتى إن الإنسان كان إذا بالغ في وصف رجل قَالَ : كأنه أبو عمر القاضي ، وإذا امتلأ الإنسان غيظا ، قَالَ : لو أني أبو عمر القاضي ما صبرت سوى ما انضاف إلى ذلك من الجلالة والرياسة والصبر على المكاره واحتمال كل جريرة إن لحقته من عدوه ، وغلط إن جرى من صديقه ، وتعطفه بالإحسان إلى الكبير والصغير ، واصطناع المعروف عند الداني والقاصي ، ومداراته للنظير والتابع . ولم يزل على طول الزمان يزداد جلالة ونبلا ، ثم استخلف لأبيه يوسف على القضاء بالجانب الشرقي ، فكان يحكم بين أهل مدينة المنصور رياسة ، وبين أهل الجانب الشرقي خلافة ، إلى سنة اثنتين وتسعين ومائتين ، فإن أبا حازم توفي ، وكان قاضيا على الكرخ أعنى الشرقية فنقل أبو عمر عن مدينة المنصور إلى قضاء الشرقية ، فكان على ذلك إلى سنة ست وتسعين ومائتين . ثم صرف هو ووالده يوسف عن جميع ما كان إليهما ، وتوفي والده سنة سبع وتسعين ومائتين ، وما زال أبو عمر ملازما لمنزله إلى سنة إحدى وثلاث مائة ، فإن أبا الحسن علي بن عيسى تقلد الوزارة ، فأشار على المقتدر به ، فرضي عنه ، وقلده الجانب الشرقي والشرقية وعدة نواح من السواد ، والشام والحرمين ، واليمن وغير ذلك ، وقلده قضاء القضاء سنة