كان ابن مقسم من أحفظ الناس لنحو الكوفيين ، وأعرفهم بالقراءات ، وله في التفسير ومعاني القرآن كتاب جليل سماه كتاب الأنوار ، وله أيضا في القراءات وعلوم النحو تصانيف عدة .
ومما طعن عليه به ، أنه عمد إلى حروف من القرآن فخالف الإجماع فيها ، وقرأها ، وأقرأها على وجوه ، ذكر أنها تجوز في اللغة والعربية ، وشاع ذلك عنه أهل العلم فأنكروه عليه ، وارتفع الأمر إلى السلطان ، فأحضره ، واستتابه بحضرة القراء والفقهاء ، فأذعن بالتوبة ، وكتب محضر بتوبته ، وأثبت جماعة من حضر ذلك المجلس خطوطهم فيه بالشهادة عليه ، وقيل : إنه لم ينزع عن تلك الحروف ، وكان يقرئ بها إلى حين وفاته .
وقد ذكر حاله أبو طاهر بن أبي هاشم المقرئ صاحب أبي بكر بن مجاهد في كتابه الذي سماه كتاب البيان ، فقال : فيما أَخْبَرَنَا أبو الحسن علي بن أحمد بن عمر المقرئ ، قَالَ : أخبرنا أبو طاهر عبد الواحد بن عمر بن محمد بن أبي هاشم ، قَالَ : وقد نبغ نابغ في عصرنا هذا ، فزعم أن كل ما صح عنده وجهٌ في العربية لحرف من القرآن يوافق خط المصحف فقراءته جائزة في الصلاة وغيرها ، فابتدع بقيله ذلك بدعة ضل بها عن قصد السبيل ، وأورط نفسه في مزلة عظمت بها جنايته على الإسلام وأهله ، وحاول إلحاق كتاب الله من الباطل ما لا يأتيه من بين يديه ولا من خلفه ، إذ جعل لأهل الإلحاد في دين الله بسيئ رأيه طريقا إلى مغالطة أهل الحق ، بتخير القراءات من جهة البحث ، والاستخراج بالأراء دون الاعتصام والتمسك بالأثر المفترض .
وقد كان أبو بكر شيخنا ، نضر الله وجهه ، نشله من بدعته المضلة باستتابته منها ، وأشهد عليه الحكام والشهود المقبولين عند الحكام ، بتركه ما أوقع نفسه فيه من الضلالة بعد أن سئل البرهان على صحة ما ذهب إليه فلم يأت بطائل ، ولم يكن له حجة قوية ولا ضعيفة ، واستوهب أبو بكر رضي الله تعالى عنه تأديبه من السلطان عند توبته ، وإظهاره الإقلاع عن بدعته ، ثم عاود في وقتنا هذا إلى ما كان ابتدعه واستغوى من أصاغر المسلمين ممن هو في الغفلة والغباوة دونه ، ظنا منه أن ذلك يكون للناس دينا ، وأن يجعلوه فيما ابتدعه إماما ، ولن يعدو ما ضل به
تاريخ بغداد أو تاريخ مدينة السلام ( تحقيق بشار ) — صفحة 610
مساهمون: بشار عواد معروف
ص٦١٠