تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة الشتاء والصيف — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
وكنت في تلك الحال بحيث يقول الصلاح وإن كان نظمي الدمع المنثور : توقّد جمرُ القلب عند تغرّبي . . . فمن أجلهِ دمعي أتي جيّد السَبْك وما حفظت عينايَ من سوء حظها . . . على كثرة الأشعار إلا قفا نبك وأما هذه المدينة ، فهي آخر مدن المغرب ، وهي على ضفة البحر الشامي ، بها الآثار العجيبة والرسوم التي تشهد لبانيها بالقوة والحكمة ، وهي منيعة الأسوار كثيرة الأشجار ، ليس في معمور الأرض كمثلها ، ولا في أقطار الأقاليم كشكلها ، وهي مقصد التجار من القفار والبحار ، يُحمل منها إلى سائر الأقاليم كما يحمل إليها في الزمن الحادث والقديم ، والنيل يدخل إليها من تحت أقبية إلى معمورها ، ويدور بها فينقسم في دورها ، بصنعة عجيبة وحكمة غريبة ، يتصل بعضها ببعض أحسن اتصال ، لأن عمارتها تشبه رقعة الشطرنج في المثال ، وناهيك بمدينة جميع ما فيها عجب ، ولكم سَتَر حسنها محاسن غيرها وحجب ، وأحد عجائب الدنيا بها المنار ، الذي لم ير مثله في الأقطار ، وهي على ميل من المدينة ، كذا في الخريدة . قلت : وأعجب من هذه المدينة مدينة الهيكل الإنساني . فيا عطشي والماء الزلال أخوضه . . . ويا وحشتي والمؤنسون حضورُ وحكى السيوطي في المحاضرة نقلاً عن مباهج الفكر أن من عجائب المباني منارة إسكندرية ، وهي مبنية بحجارة مهدمة مضببة بالرصاص على قناطر من زجاج ، والقناطر على ظهر سرطان من نحاس ، وفيها نحو ثلاثمائة بيت بعضها على بعض ، تصعد الدابة بحملها إلى سائر البيوت ، وللبيوت طاقات ينظر منها إلى البحر ، وأختُلف فيمن بناها ، ويقال إن طولها ألف ذراع ، وكان في أعلاها تماثيل من نحاس ، منها تمثال يشير بسبابته اليمنى نحو الشمس أينما كانت من الفلك ، يدور معها حيث دارت . ومنها تمثال وجهه إلى البحر ، متى صار مركب منه على نحو ليلة ، سمع له صوت هائل ، يعلم منه أهل المدينة طروق العدوّ . ومنها تمثال كلّما مضت ساعة من الليل صوّت
رحلة الشتاء والصيف — صفحة 115 | محمد كبريت الحسيني المدني / محمد سعيد الطنطاوي