النفقة والقضاء على الغائب ، وكل واحد منهما مجتهد فيه . وقال ظهير الدين المرغيناني : لا
يصح هذا التفريق لأن القضاء على الغائب إنما يصح عند الشافعي وينفذ في إحدى الروايتين
عن أبي حنيفة إذا ثبت المشهود به ، وهنا لم يثبت المشهود به عند القاضي وهو العجز لأن المال
غاد ورائح ، ومن الجائز أن الغائب صار غنيا ولم يعلم به الشاهد لما بينهما من المسافة فكان
الشاهد مجازفا في هذه الشهادة . وقال صاحب الذخيرة : الصحيح لأنه لا يصح قضاؤه لأن
العجز لا يعرف حالة الغيبة لجواز أن يكون قادرا فيكون هذا ترك الانفاق لا للعجز عن
الانفاق ، فإن رفع هذا القضاء إلى قاض آخر وأجاز قضاءه فالصحيح أنه لا ينفذ لأن هذا
القضاء ليس بمجتهد فيه لما ذكرنا أن العجز لم يثبت ا ه . وتعقبه في فتح القدير بقوله :
واعلم أن الفسخ إذا غاب ولم يترك لها نفقة يمكن بغير طريق إثبات عجزه بمعنى فقره وهو
أن تتعذر النفقة عليها . قال القاضي أبو الطيب من الشافعية : إذا تعذرت النفقة عليها بغيبته
ثبت لها الفسخ . قال في الحلية : وله وجه وجيه فلا يلزم مجئ ما قال ظهير الدين ا ه .
وهذا لا يرد ما قاله ظهير الدين لوجهين : الأول أنه ليس مذهب الشافعي . والثاني أن كلامه
في التفريق بسبب العجز لا في غيره . وفي الذخيرة : فرق بين النفقة وبين سائر الديون في
الامر بالاستدانة فإن في سائر الديون من عليه الدين إذا عجز عن قضاء الدين لا يؤمر
صاحب الدين بالاستدانة عليه ، وهنا بعد ما فرض القاضي لها تؤمر بالاستدانة على الزوج .
والفرق بينهما أن المرأة لو لم تؤمر بالاستدانة عسى تموت جوعا أو يموت الزوج فتسقط نفقتها
فكان الامر بها لتأكيد حقها وهذا المعنى معدوم في سائر الديون . قال مشايخنا : ليس فائدة
الامر بالاستدانة بعد فرض القاضي النفقة إثبات حق للمرأة عليه لأن حق رجوعها ثابت
بالفرض ، سواء أكلت من مال نفسها أو استدانت بأمر القاضي أو بغير أمره ، ولكن فائدته أن
يرجع الغريم على الزوج وبدون الامر ليس له الرجوع عليه وإنما يرجع رب الدين على المرأة
وهي ترجع بالمفروض على الزوج . وفي تجريد القدوري : إن فائدته أن تحيل المرأة الغريم على
الزوج وإن لم يرض الزوج وبدونه لس لها ذلك .
البحر الرائق — صفحة 313
مساهمون: ابن نجيم المصري
ص٣١٣