الطَّرَفُ الرَّابِعُ فِي اجْتِمَاعِ سَبَبَيْنِ مُتَقَاوِمَيْنِ وَفِيهِ مَسَائِلُ :
إِحْدَاهَا : إِذَا اصْطَدَمَ حُرَّانِ مَاشِيَانِ ، فَوَقَعَا وَمَاتَا ؛ فَكُلُّ وَاحِدٍ مَاتَ بِفِعْلِهِ وَفِعْلِ صَاحِبِهِ ؛ فَهُوَ شَرِيكٌ فِي الْقَتْلَيْنِ ؛ فَفِعْلُهُ هَدَرٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ مَضْمُونٌ فِي حَقِّ صَاحِبِهِ ؛ فَالصَّحِيحُ أَنَّ فِي تَرِكَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفَّارَتَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَتَجَزَّأُ ، وَأَنَّ قَاتِلَ نَفْسِهِ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ .
وَأَمَّا الدِّيَةُ ، فَتَسْقُطُ نِصْفُ دِيَةِ كُلِّ وَاحِدٍ ، وَيَجِبُ نِصْفُهَا ؛ ثُمَّ إِنْ لَمْ يَقْصِدَا الِاصْطِدَامَ بِأَنْ كَانَا أَعْمَيَيْنِ ، أَوْ فِي ظُلْمَةٍ ، أَوْ مُدْبِرَيْنِ ، أَوْ غَافِلَيْنِ ؛ فَهُوَ خَطَأٌ مَحْضٌ ؛ فَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ دِيَةِ الْآخَرِ .
وَإِنْ تَعَمَّدَا الِاصْطِدَامَ ، فَوَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْحَاصِلَ عَمْدٌ مَحْضٌ ، وَيَجِبُ فِي مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ دِيَةِ الْآخَرِ ؛ قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ ، وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ ؛ وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ وَهُوَ نَصُّهُ فِي « الْأُمِّ » : أَنَّ الْحَاصِلَ شِبْهُ عَمْدٍ ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الِاصْطِدَامَ لَا يُفْضِي إِلَى الْمَوْتِ ؛ فَلَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ الْعَمْدُ الْمَحْضُ ؛ وَلِذَلِكَ لَا يَتَعَلَّقُ الْقِصَاصُ إِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ ؛ فَيَجِبُ عَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ دِيَةِ الْآخَرِ مُغَلَّظَةً .
الثَّانِيَةُ : إِذَا كَانَ الْمُصْطَدِمَانِ رَاكِبَيْنِ ؛ فَحُكْمُ الدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ كَمَا ذَكَرْنَا ؛ فَلَوْ تَلِفَتِ الدَّابَّتَانِ ؛ فَفِي تَرِكَةِ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ قِيمَةِ دَابَّةِ صَاحَبِهِ ؛ وَلَوْ غَلَبَتْهُمَا الدَّابَّتَانِ ، فَجَرَى الِاصْطِدَامُ وَالرَّاكِبَانِ مَغْلُوبَانِ ؛ فَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْمَغْلُوبَ كَغَيْرِ الْمَغْلُوبِ كَمَا سَبَقَ . وَفِي قَوْلٍ أَنْكَرَهُ جَمَاعَةٌ أَنَّ هَلَاكَهُمَا وَهَلَاكَ الدَّابَّتَيْنِ هَدَرٌ ؛ إِذْ لَا صُنْعَ لَهُمَا وَلَا اخْتِيَارَ ؛ فَصَارَ كَالْهَلَاكِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ . وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِيمَا لَوْ غَلَبَتِ الدَّابَّةُ رَاكِبَهَا أَوْ سَائِقَهَا ، وَأَتْلَفَتْ مَالًا ، هَلْ يَسْقُطُ الضَّمَانُ عَنْهُ ؟
فَرْعٌ
سَوَاءٌ فِي اصْطِدَامِ الرَّاكِبَيْنِ اتَّفَقَ جِنْسُ الْمَرْكُوبَيْنِ وَقُوَّتُهُمَا ، أَمِ
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي ) — صفحة 331
مساهمون: النووي
ص٣٣١