تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 426

مساهمون:

ص٤٢٦
خلودهم في مشيئة الله ، لأنهم يَخْرُجُونَ 1 عَنْ مَشِيئَتِهِ ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ عَزِيمَتَهُ وَجَزْمَهُ لَهُمْ بِالْخُلُودِ 2 ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا } [ الْإِسْرَاءِ : 86 ] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ } [ الشُّورَى : 24 ] ، وَقَوْلِهِ : { قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ } [ يُونُسَ : 16 ] , وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ ، يُخْبِرُ عِبَادَهُ سُبْحَانَهُ أَنَّ الْأُمُورَ كُلَّهَا بِمَشِيئَتِهِ ، مَا شَاءَ كَانَ ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ . وَقِيلَ : إِنَّ " مَا " بِمَعْنَى " مَنْ " أَيْ : إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ دُخُولَهُ النَّارَ بِذُنُوبِهِ مِنَ السُّعَدَاءِ 3 . وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ . وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ ، فَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ مِنَ الْمُتَشَابِهِ ، وقوله : { عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ } [ هود : 108 ] ، مُحْكَمٌ . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : { إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ } [ ص : 54 ] . وَقَوْلُهُ : { أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا } [ الرَّعْدِ : 35 ] 4 . وَقَوْلُهُ : { وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ } [ الْحِجْرِ : 48 ] . وَقَدْ أَكَّدَ اللَّهُ خُلُودَ أَهْلِ الْجَنَّةِ بِالتَّأْبِيدِ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ مِنَ الْقُرْآنِ ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ : { لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى } [ الدُّخَانِ : 56 ] ، وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ ، وَإِذَا ضَمَمْتَهُ إِلَى الِاسْتِثْنَاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : { إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّ } [ هود : 108 ] تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْآيَتَيْنِ اسْتِثْنَاءُ الْوَقْتِ الَّذِي لَمْ يَكُونُوا فِيهِ فِي الْجَنَّةِ مِنَ مُدَّةِ الْخُلُودِ ، كَاسْتِثْنَاءِ الْمَوْتَةِ الْأُولَى مِنْ جُمْلَةِ الْمَوْتِ ، فَهَذِهِ مَوْتَةٌ تَقَدَّمَتْ عَلَى حَيَاتِهِمُ الْأَبَدِيَّةِ ، وذلك مُفَارَقَةٌ لِلْجَنَّةِ تَقَدَّمَتْ عَلَى خُلُودِهِمْ فِيهَا . وَالْأَدِلَّةُ مِنَ السُّنَّةِ عَلَى أَبَدِيَّةِ الْجَنَّةِ وَدَوَامِهَا كَثِيرِةٌ : كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ يَنْعَمْ وَلَا يَبْأَسْ وَيَخْلُدُ وَلَا يَمُوتُ " 5 . وَقَوْلِهِ : " يُنَادِي مُنَادٍ : يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ ، إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَدًا ، وَأَنْ تشبوا فلا تهرموا أبدا ، وأن تحيوا
هامش
1 في الأصل : لا أنهم يخرجون . الجنة الصواب فليراجع " رفع الأستار " . 2 قال عفيفي : انظر " مجموع الفتاوى " ص 48 ج 2 . 3 في الأصل : الشعراء . 4 قال عفيفي : انظر ص 251 من " حادي الأرواح " . 5 مسلم ، وهو مخرج في " الصحيحة " " 1086 " .
شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 426 | ابن أبي العز الحنفي / جماعة من العلماء