[ اللَّهُ ] إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ " 1 , فَقَوْلُهُ نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ تَعُمُّ الشَّهِيدَ وَغَيْرَهُ ، ثُمَّ خَصَّ الشَّهِيدَ بِأَنْ قَالَ : هِيَ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ صَدَقَ عَلَيْهَا أَنَّهَا طَيْرٌ ، فَتَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْحَدِيثِ الْآخَرِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ ، فَنَصِيبُهُمْ مِنَ النَّعِيمِ فِي الْبَرْزَخِ أَكْمَلُ مِنْ نَصِيبِ غَيْرِهِمْ مِنَ الْأَمْوَاتِ عَلَى فُرُشِهِمْ ، وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ أَعْلَى درجة من كثير منهم ، فلهم نَعِيمٌ يَخْتَصُّ بِهِ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ مَنْ هُوَ دُونَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ , وَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ ، كَمَا رُوِيَ فِي السُّنَنِ . وَأَمَّا الشُّهَدَاءُ فَقَدْ شُوهِدَ مِنْهُمْ بَعْدَ مُدَدٍ مِنْ دَفْنِهِ كَمَا هُوَ لَمْ يَتَغَيَّرْ ، فَيُحْتَمَلُ بَقَاؤُهُ كَذَلِكَ فِي تُرْبَتِهِ إِلَى يَوْمِ مَحْشَرِهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يَبْلَى مَعَ طُولِ الْمُدَّةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ , وَكَأَنَّهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - كُلَّمَا كَانَتِ الشَّهَادَةُ أَكْمَلَ ، وَالشَّهِيدُ أَفْضَلَ ، كَانَ بَقَاءُ جسده أطول .
الإيمان بالبعث والجزاء والآيات الدالة على معاد البدن عند القيامة الكبرى
قَوْلُهُ : " وَنُؤْمِنُ بِالْبَعْثِ وَجَزَاءِ الْأَعْمَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَالْعَرْضِ وَالْحِسَابِ ، وَقِرَاءَةِ الْكِتَابِ ، وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَالصِّرَاطِ وَالْمِيزَانِ " .
ش : الْإِيمَانُ بِالْمَعَادِ مِمَّا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ، وَالْعَقْلُ وَالْفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ , فَأَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْهُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ ، وَأَقَامَ الدَّلِيلَ عَلَيْهِ ، وَرَدَّ عَلَى مُنْكِرِيهِ فِي غَالِبِ سُوَرِ الْقُرْآنِ . وَذَلِكَ : أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ كُلَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ 1 ، فَإِنَّ الْإِقْرَارَ بِالرَّبِّ عَامٌّ فِي بَنِي آدَمَ ، وَهُوَ فِطْرِيٌّ ، كُلُّهُمْ يُقِرُّ بِالرَّبِّ ، إِلَّا مَنْ عَانَدَ ، كَفِرْعَوْنَ ، بِخِلَافِ الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ، فَإِنَّ مُنْكِرِيهِ كَثِيرُونَ ، وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا كَانَ خَاتَمَ الْأَنْبِيَاءِ ، وَكَانَ قَدْ بُعِثَ هُوَ وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ ، وكان هو الحاشر المقفي , بين تفضيل الْآخِرَةِ بَيَانًا لَا يُوجَدُ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ . وَلِهَذَا ظَنَّ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَنَحْوِهِمْ ، أَنَّهُ لَمْ يُفْصِحْ بِمَعَادِ الْأَبْدَانِ إِلَّا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَجَعَلُوا هَذِهِ حُجَّةً لَهُمْ فِي أَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّخْيِيلِ وَالْخِطَابِ الْجُمْهُورِيِّ .
وَالْقُرْآنُ بَيَّنَ مَعَادَ النَّفْسِ عِنْدَ الْمَوْتِ ، وَمَعَادَ الْبَدَنِ عِنْدَ الْقِيَامَةِ الْكُبْرَى فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ , وَهَؤُلَاءِ يُنْكِرُونَ الْقِيَامَةَ الْكُبْرَى ، وَيُنْكِرُونَ مَعَادَ الْأَبْدَانِ ، وَيَقُولُ مَنْ يَقُولُ مِنْهُمْ : إِنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ بِهِ إِلَّا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى طَرِيقِ التَّخْيِيلِ ! وَهَذَا كَذِبٌ ، فإن
هامش
1 صحيح وقد مضى الحديث " برقم 518 " .
1 في الأصل : بالآخرة .