عَنْهُ لَمَّا حُصِرَ صَلَّى بِالنَّاسِ شَخْصٌ ، فَسَأَلَ سَائِلٌ عُثْمَانَ : إِنَّكَ إِمَامُ عَامَّةٍ ، وَهَذَا الَّذِي صلى بالناس إمام فتنة ؟ فقال : يا بن أَخِي ، إِنَّ الصَّلَاةَ مِنْ أَحْسَنِ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ ، فَإِذَا أَحْسَنُوا فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ ، وَإِذَا أَسَاءُوا فَاجْتَنِبْ إِسَاءَتَهُمْ 1 .
وَالْفَاسِقُ وَالْمُبْتَدِعُ صَلَاتُهُ فِي نَفْسِهَا صَحِيحَةٌ ، فَإِذَا صَلَّى الْمَأْمُومُ خَلْفَهُ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ ، لَكِنْ إِنَّمَا كَرِهَ مَنْ كَرِهَ الصَّلَاةَ خَلْفَهُ ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاجِبٌ .
وَمِنْ ذَلِكَ : أَنَّ مَنْ أَظْهَرَ بِدْعَةً وَفُجُورًا لَا يُرَتَّبُ إِمَامًا لِلْمُسْلِمِينَ ، فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ التعزير حتى يتوب ، فإن أَمْكَنَ هَجْرُهُ حَتَّى يَتُوبَ كَانَ حَسَنًا ، وَإِذَا كَانَ بَعْضُ النَّاسِ إِذَا تَرَكَ الصَّلَاةَ خَلْفَهُ وَصَلَّى خَلْفَ غَيْرِهِ أَثَّرَ ذَلِكَ فِي إِنْكَارِ الْمُنْكِرِ حَتَّى يَتُوبَ أَوْ يُعْزَلَ أَوْ يَنْتَهِيَ النَّاسُ عَنْ مِثْلِ ذَنْبِهِ , فَمِثْلُ هَذَا إِذَا تَرَكَ الصَّلَاةَ خَلْفَهُ كَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ شَرْعِيَّةٌ ، وَلَمْ تَفُتِ الْمَأْمُومَ جُمْعَةٌ وَلَا جَمَاعَةٌ , وَأَمَّا إِذَا كَانَ تَرْكُ الصَّلَاةِ خَلْفَهُ يُفَوِّتُ الْمَأْمُومَ الْجُمْعَةَ وَالْجَمَاعَةَ ، فَهُنَا لَا يَتْرُكُ الصَّلَاةَ خَلْفَهُ إِلَّا مُبْتَدِعٌ مُخَالِفٌ لِلصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ , وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ الْإِمَامُ قَدْ رَتَّبَهُ وُلَاةُ الْأُمُورِ ، لَيْسَ فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ خَلْفَهُ مَصْلَحَةٌ شَرْعِيَّةٌ ، فَهُنَا لَا يَتْرُكُ الصَّلَاةَ خَلْفَهُ ، بَلِ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ أَفْضَلُ 2 ، فَإِذَا أَمْكَنَ الْإِنْسَانُ أَنْ لَا يُقَدِّمَ مَظْهَرًا لِلْمُنْكَرِ فِي الْإِمَامَةِ ، وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ ، لَكِنْ إِذَا وَلَّاهُ غَيْرُهُ ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ صَرْفُهُ عَنِ الْإِمَامَةِ ، أَوْ كَانَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ صَرْفِهِ عَنِ الْإِمَامَةِ إِلَّا بِشَرٍّ أَعْظَمَ ضَرَرًا مِنْ ضَرَرِ مَا أَظْهَرَ مِنَ الْمُنْكَرِ - : فَلَا يَجُوزُ دَفْعُ الْفَسَادِ الْقَلِيلِ بِالْفَسَادِ الْكَثِيرِ ، وَلَا دَفْعُ أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ بِحُصُولِ أَعْظَمِهِمَا ، فَإِنَّ الشَّرَائِعَ جَاءَتْ بِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلِهَا ، وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا ، بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ , فَتَفْوِيتُ الْجُمَعِ وَالْجَمَاعَاتِ أَعْظَمُ فَسَادًا مِنْ الِاقْتِدَاءِ فِيهِمَا بِالْإِمَامِ الْفَاجِرِ ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ التَّخَلُّفُ عَنْهَا لَا يَدْفَعُ فُجُورًا ، فَيَبْقَى تَعْطِيلُ الْمَصْلَحَةِ الشَّرْعِيَّةِ بِدُونِ دَفْعِ تِلْكَ الْمَفْسَدَةِ .
وَأَمَّا إِذَا أَمْكَنَ فِعْلُ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ خَلْفَ الْبَرِّ ، فَهَذَا أَوْلَى مِنْ فِعْلِهَا خَلْفَ الْفَاجِرِ . وَحِينَئِذٍ ، فَإِذَا صَلَّى خَلْفَ الْفَاجِرِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ ، فَهُوَ مَوْضِعُ اجتهاد
هامش
1 أخرجه البخاري في " الأذان " ، وهو في " المختصر " برقم " 384 " .
2 قال عفيفي : انظر ص 342 - 360 ج 23 من " مجموع الفتاوى " .