تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 322

مساهمون:

ص٣٢٢
فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمُرْتَدٍّ , وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ لِأَخِيهِ الْيَوْمَ مَظْلَمَةٌ مِنْ عِرْضٍ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِرْهَمٌ وَلَا دِينَارٌ ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ " 1 . أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ . فَثَبَتَ أَنَّ الظَّالِمَ يَكُونُ لَهُ حَسَنَاتٌ يَسْتَوْفِي الْمَظْلُومُ مِنْهَا حَقَّهُ , وَكَذَلِكَ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " مَا تَعُدُّونَ الْمُفْلِسَ فِيكُمْ ؟ " قَالُوا : الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا لَهُ دِرْهَمٌ وَلَا دِينَارٌ ، قَالَ : " الْمُفْلِسُ مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وله حسنات أمثال الجبال ، [ فيأتي ] وقَدْ شَتَمَ هَذَا ، وَأَخَذَ مَالَ هَذَا ، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا ، وَقَذَفَ هَذَا ، وَضَرَبَ هَذَا ، فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، فَإِذَا فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ " 2 . رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ } [ هُودٍ : 115 ] . فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ فِي حَالِ إِسَاءَتِهِ يَعْمَلُ 3 حَسَنَاتٍ تَمْحُو سَيِّئَاتِهِ . وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ . وَالْمُعْتَزِلَةُ مُوَافِقُونَ لِلْخَوَارِجِ هُنَا فِي حُكْمِ الْآخِرَةِ ، فَإِنَّهُمْ وَافَقُوهُمْ عَلَى أَنَّ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ ، لَكِنْ قَالَتِ الْخَوَارِجُ . نُسَمِّيهِ كَافِرًا ، وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ : نُسَمِّيهِ فَاسِقًا ، فَالْخِلَافُ بَيْنَهُمْ لَفْظِيٌّ فَقَطْ . وَأَهْلُ السُّنَّةِ أَيْضًا مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْوَعِيدَ الْمُرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ الذَّنْبِ ، كَمَا وَرَدَتْ بِهِ النُّصُوصُ , لَا كَمَا يَقُولُهُ الْمُرْجِئَةُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ ذَنْبٌ ، وَلَا يَنْفَعُ مَعَ الْكُفْرِ طَاعَةٌ ! وَإِذَا اجْتَمَعَتْ نُصُوصُ الْوَعْدِ الَّتِي اسْتَدَلَّتْ بِهَا الْمُرْجِئَةُ ، وَنُصُوصُ الْوَعِيدِ التي استدلت بها الخوارج والمعتزلة , تبينت لَكَ فَسَادُ الْقَوْلَيْنِ ! وَلَا فَائِدَةَ فِي كَلَامِ هَؤُلَاءِ سِوَى أَنَّكَ تَسْتَفِيدُ مِنْ كَلَامِ كُلِّ طائفة فساد مذهب الطائفة الأخرى .
هامش
1 أخرجه البخاري في " المظالم " و " الرقاق " من حديث أبي هريرة دون قوله : " ثم ألقي . . " وكذلك رواه أحمد " 2 / 435 و 506 " ولم أره في " صحيح مسلم " . وانظر " أحكام الجنائز " " ص 4 " . 2 رواه مسلم وغيره من حديث أبي هريرة ، وهو مخرج في " الصحيحة " " 847 " . 3 في الأصل : يفعل .
شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 322 | ابن أبي العز الحنفي / جماعة من العلماء