تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
يَعْرِفُ بِهِ الْمَعْرُوفَ وَالْمُنْكَرَ 1 . وَكَذَلِكَ الْقَلْبُ الْمَرِيضُ بِالشَّهْوَةِ ، فَإِنَّهُ لِضَعْفِهِ يَمِيلُ إِلَى مَا يَعْرِضُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ بِحَسَبِ قُوَّةِ الْمَرَضِ وَضَعْفِهِ . وَمَرَضُ الْقَلْبِ نَوْعَانِ ، كَمَا تَقَدَّمَ : مَرَضُ شَهْوَةٍ ، ومرض شبهة ، وأردؤها مَرَضُ الشُّبْهَةِ ، وَأَرْدَأُ الشُّبَهِ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الْقَدَرِ , وَقَدْ يَمْرَضُ الْقَلْبُ وَيَشْتَدُّ مَرَضُهُ وَلَا يَشْعُرُ 2 بِهِ صَاحِبُهُ ، لِاشْتِغَالِهِ وَانْصِرَافِهِ عَنْ مَعْرِفَةِ صِحَّتِهِ وَأَسْبَابِهَا ، بَلْ قَدْ يَمُوتُ وَصَاحِبُهُ لَا يَشْعُرُ بِمَوْتِهِ ، وَعَلَامَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا تُؤْلِمُهُ جِرَاحَاتُ الْقَبَائِحِ ، وَلَا يُوجِعُهُ جَهْلُهُ بِالْحَقِّ وَعَقَائِدُهُ الْبَاطِلَةُ , فَإِنَّ الْقَلْبَ إِذَا كَانَ فِيهِ حياة تألم بورود القبيح عليه ، وتألم بأهله بالحق بحسب حياته . مَا لِجُرْحٍ بِمَيِّتٍ إِيلَامُ . وَقَدْ يَشْعُرُ بِمَرَضِهِ ، وَلَكِنْ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ تَحَمُّلُ مَرَارَةِ الدَّوَاءِ وَالصَّبْرِ عَلَيْهَا ، فَيُؤْثِرُ بَقَاءَ أَلَمِهِ عَلَى مَشَقَّةِ الدَّوَاءِ فَإِنَّ دَوَاءَهُ فِي مُخَالَفَةِ الْهَوَى ، وَذَلِكَ أَصْعَبُ شَيْءٍ عَلَى النَّفْسِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْفَعُ مِنْهُ ، وَتَارَةً يُوَطِّنُ نَفْسَهُ عَلَى الصَّبْرِ ، ثُمَّ يَنْفَسِخُ عَزْمُهُ وَلَا يَسْتَمِرُّ مَعَهُ ، لِضَعْفِ عِلْمِهِ وَبَصِيرَتِهِ وَصَبْرِهِ ، كَمَنْ دَخَلَ فِي طَرِيقٍ مَخُوفٍ مُفْضٍ إِلَى غَايَةِ الْأَمْنِ ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ إِنْ صبر عليه انقضى في الْخَوْفُ وَأَعْقَبَهُ الْأَمْنُ ، فَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى قُوَّةِ صَبْرٍ وَقُوَّةِ يَقِينٍ بِمَا يَصِيرُ إِلَيْهِ ، وَمَتَى ضَعُفَ صَبْرُهُ وَيَقِينُهُ رَجَعَ مِنَ الطَّرِيقِ وَلَمْ يَتَحَمَّلْ مَشَقَّتَهَا ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ عَدِمَ الرَّفِيقَ وَاسْتَوْحَشَ مِنَ الْوَحْدَةِ وَجَعَلَ يَقُولُ : أَيْنَ ذَهَبَ النَّاسُ فَلِي أُسْوَةٌ بِهِمْ ! وَهَذِهِ حَالُ أَكْثَرِ الخلق ، وهي التي أهلكتهم . فالصابر 3 الصَّادِقُ لَا يَسْتَوْحِشُ مِنْ قِلَّةِ الرَّفِيقِ وَلَا مِنْ فَقْدِهِ ، إِذَا اسْتَشْعَرَ قَلْبُهُ مُرَافَقَةَ الرَّعِيلِ الْأَوَّلِ ، { الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا } [ النِّسَاءِ : 69 ] . وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَعْرُوفُ بِأَبِي شَامَةَ فِي كِتَابِ " الْحَوَادِثُ وَالْبِدَعُ " : حَيْثُ جَاءَ الْأَمْرُ بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ ، فَالْمُرَادُ لُزُومُ الْحَقِّ وَاتِّبَاعُهُ ، وَإِنْ كَانَ الْمُتَمَسِّكُ بِهِ قَلِيلًا وَالْمُخَالِفُ لَهُ كَثِيرًا ، لِأَنَّ الْحَقَّ هُوَ الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ الْجَمَاعَةُ الْأُولَى مِنْ عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَلَا نَنْظُرُ إِلَى كثرة
هامش
1 لا أعرفه . 2 في الأصل : يعرف . 3 في الأصل : فالبصير .