تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
الْأَسْمَاءَ وَالْأَفْعَالَ كَمَالٌ ، لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ مُتَعَلَّقِهَا ، وَلَوْ كَانَ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ عَلَى طَبِيعَةِ الْمَلَائِكَةِ لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ , وَمِنْهَا : ظُهُورُ آثَارِ أَسْمَائِهِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِحِلْمِهِ وَعَفْوِهِ وَمَغْفِرَتِهِ وَسَتْرِهِ وَتَجَاوُزِهِ عَنْ حَقِّهِ وَعِتْقِهِ لِمَنْ شَاءَ مِنْ عَبِيدِهِ ، فَلَوْلَا خَلْقُ مَا يَكْرَهُهُ مِنَ الْأَسْبَابِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى ظُهُورِ آثَارِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ لَتَعَطَّلَتْ هَذِهِ الْحِكَمُ وَالْفَوَائِدُ , وَقَدْ أَشَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى هَذَا بِقَوْلِهِ : " لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ وَيَسْتَغْفِرُونَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ " 1 . وَمِنْهَا : ظُهُورُ آثَارِ أَسْمَاءِ الْحِكْمَةِ وَالْخِبْرَةِ ، فَإِنَّهُ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ، الَّذِي يَضَعُ الْأَشْيَاءَ مَوَاضِعَهَا ، وَيُنْزِلُهَا مَنَازِلَهَا اللَّائِقَةَ بِهَا ، فَلَا يَضَعُ الشَّيْءَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ ، وَلَا يُنْزِلُهُ غَيْرَ مَنْزِلَتِهِ الَّتِي يَقْتَضِيهَا كَمَالُ عِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ وَخِبْرَتِهِ , فَهُوَ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَاتِهِ ، وَأَعْلَمُ بِمَنْ يَصْلُحُ لِقَبُولِهَا وَيَشْكُرُهُ عَلَى انْتِهَائِهَا إِلَيْهِ ، وَأَعْلَمُ بِمَنْ لَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ , فَلَوْ قُدِّرَ عَدَمُ الْأَسْبَابِ الْمَكْرُوهَةِ ، لَتَعَطَّلَتْ حِكَمٌ كَثِيرَةٌ ، وَلَفَاتَتْ مَصَالِحُ عَدِيدَةٌ ، وَلَوْ عُطِّلَتْ تِلْكَ الْأَسْبَابُ لِمَا فِيهَا مِنَ الشَّرِّ ، لَتَعَطَّلَ الْخَيْرُ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الشَّرِّ الَّذِي فِي تِلْكَ الْأَسْبَابِ ، وَهَذَا كَالشَّمْسِ وَالْمَطَرِ وَالرِّيَاحِ 2 ، الَّتِي فِيهَا مِنَ الْمَصَالِحِ مَا هُوَ أَضْعَافُ أَضْعَافِ مَا يَحْصُلُ بِهَا مِنَ الشَّرِّ , وَمِنْهَا : حُصُولُ الْعُبُودِيَّةِ الْمُتَنَوِّعَةِ الَّتِي لَوْلَا خَلْقُ إِبْلِيسَ لَمَا حَصَلَتْ ، فَإِنَّ عُبُودِيَّةَ الْجِهَادِ مِنْ أَحَبِّ أَنْوَاعِ الْعُبُودِيَّةِ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ . وَلَوْ كَانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ مؤمنين لتعطلت هذه العبودية وتوابعها من الموالاة لِلَّهِ سُبْحَانَهُ [ وَتَعَالَى ] وَالْمُعَادَاةِ فِيهِ ، وَعُبُودِيَّةُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَعُبُودِيَّةُ الصَّبْرِ وَمُخَالَفَةِ الْهَوَى وَإِيثَارِ مَحَابِّ اللَّهِ تَعَالَى ، وَعُبُودِيَّةُ التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ ، وَعُبُودِيَّةُ الِاسْتِعَاذَةِ بِاللَّهِ أَنْ يُجِيرَهُ مِنْ عَدُّوِهِ وَيَعْصِمَهُ مِنْ كَيْدِهِ وَأَذَاهُ . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْحِكَمِ الَّتِي تَعْجِزُ الْعُقُولُ عَنْ إِدْرَاكِهَا . فَإِنْ قِيلَ : فَهَلْ كَانَ يُمْكِنُ وُجُودُ تلك الحكم بدون هذه الأسباب ؟
هامش
1 أخرج مسلم " 8 / 94 " عن أبي هريرة ، وأبي أيوب نحوه ، وهما مخرجان في " الصحيحة " " 968 و 969 " , وله فيه شواهد " 967 و 970 " . 2 قال عفيفي : انظر هذا الاعتراض وتفصيل جوابه في ص 193 / 198 من " مدارج السالكين " و 282 / 283 من كتاب " الداء والدواء " والمسمى " الجواب الكافي " للإمام ابن القيم ، فإنه وفي هذا المقام حقه .