فيه الروح ، ويؤمر بأربع كلمات : بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سَعِيدٌ ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ ، إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا ، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا " 1 . وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ ، وَكَذَلِكَ الْآثَارُ عَنِ السَّلَفِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي " التَّمْهِيدِ " : قَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ مِنْ تَخْرِيجِ الْآثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَأَكْثَرَ الْمُتَكَلِّمُونَ مِنَ الْكَلَامِ فِيهِ ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ مُجْتَمِعُونَ عَلَى الْإِيمَانِ بِهَذِهِ الْآثَارِ وَاعْتِقَادِهَا وَتَرْكِ الْمُجَادَلَةِ فِيهَا ، وَبِاللَّهِ الْعِصْمَةُ وَالتَّوْفِيقُ .
وَقَوْلُهُ : " وَأَصْلُ الْقَدَرِ سِرُّ اللَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ ، لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ، وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ ، وَالتَّعَمُّقُ وَالنَّظَرُ فِي ذَلِكَ ذَرِيعَةُ الْخِذْلَانِ ، وَسُلَّمُ الْحِرْمَانِ ، وَدَرَجَةُ الطُّغْيَانِ ، فَالْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ ذَلِكَ نَظَرًا وَفِكْرًا وَوَسْوَسَةً ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى طَوَى عِلْمَ الْقَدَرِ عَنْ أَنَامِهِ ، وَنَهَاهُمْ عَنْ مَرَامِهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ : { لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } [ الْأَنْبِيَاءِ : 23 ] . فَمَنْ سَأَلَ : لِمَ فَعَلَ ؟ فَقَدْ رَدَّ حُكْمَ الْكِتَابِ ، وَمَنْ رَدَّ حُكْمَ الْكِتَابِ ، كَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ " .
ش : أَصْلُ الْقَدَرِ سِرُّ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ ، وَهُوَ كَوْنُهُ أَوْجَدَ وَأَفْنَى ، وَأَفْقَرَ وَأَغْنَى ، وَأَمَاتَ وَأَحْيَا ، وَأَضَلَّ وَهَدَى , قال عليّ كرم الله وجهه ورضي الله عنه : القدر سر الله فلا نكشفه , وَالنِّزَاعُ بَيْنَ النَّاسِ فِي مَسْأَلَةِ الْقَدَرِ مَشْهُورٌ .
وَالَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ : أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَالِقٌ أَفْعَالَ الْعِبَادِ . قَالَ تَعَالَى : { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ } [ الْقَمَرِ : 49 ] . وَقَالَ تَعَالَى : { وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا } [ الْفُرْقَانِ : 2 ] وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُرِيدُ الْكُفْرَ مِنَ الْكَافِرِ وَيَشَاؤُهُ ، وَلَا يَرْضَاهُ وَلَا يُحِبُّهُ ، فَيَشَاؤُهُ كَوْنًا ، وَلَا يَرْضَاهُ دِينًا .
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْقَدَرِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ ، وَزَعَمُوا : أَنَّ اللَّهَ شَاءَ الْإِيمَانَ مِنَ الْكَافِرِ ، وَلَكِنَّ الكافر شاء الكفر ، فردوا إِلَى هَذَا لِئَلَّا يَقُولُوا : شَاءَ الْكُفْرَ مِنَ الْكَافِرِ وَعَذَّبَهُ عَلَيْهِ ! وَلَكِنْ صَارُوا : كَالْمُسْتَجِيرِ مِنَ الرمضاء بالنار ! 2 . فإنهم هربوا من شياء
هامش
1 متفق عليه ، وهو مخرج أيضا في " الظلال " " 175 و 176 " .
2 صدر البيت : المستجير بعمر عند كربته .