{ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ } [ الأعراف : 173 ] ، أي توعدهم 1 بجحودهم وشركهم لما قالوا ذَلِكَ ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا يُهْلِكُهُمْ بِمُخَالَفَةِ رُسُلِهِ وَتَكْذِيبِهِمْ ، وَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ ، وَإِنَّمَا يُهْلِكُهُمْ بَعْدَ الْإِعْذَارِ وَالْإِنْذَارِ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ . التَّاسِعُ : أَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَشْهَدَ كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ رَبُّهُ وَخَالِقُهُ ، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِهَذَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ ، كَقَوْلِهِ : { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } [ لُقْمَانَ : 25 ] ، فَهَذِهِ هِيَ الْحُجَّةُ الَّتِي أَشْهَدَهُمْ 2 عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِمَضْمُونِهَا ، وَذَكَّرَتْهُمْ بِهَا رُسُلُهُ ، بِقَوْلِهِمْ : { أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } [ إِبْرَاهِيمَ : 10 ] . الْعَاشِرُ : أَنَّهُ جَعَلَ هَذَا آيَةً ، وَهِيَ الدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ الْبَيِّنَةُ الْمُسْتَلْزِمَةُ لمدلولها ، وهذا شأن آيات الرب تعالى ، فَقَالَ تَعَالَى : { وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [ الْأَعْرَافِ : 174 ] ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِالْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ، فَمَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، لَا يُولَدُ مَوْلُودٌ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الْفِطْرَةِ ، هَذَا أَمْرٌ مفروغ منه ، لا تبديل ولا تغيير . وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى هَذَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَدْ تَفَطَّنَ لِهَذَا ابْنُ عَطِيَّةَ وَغَيْرُهُ ، وَلَكِنْ هَابُوا مُخَالَفَةَ [ ظَاهِرِ ] تِلْكَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا التَّصْرِيحُ بِأَنَّ اللَّهَ أَخْرَجَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ثُمَّ أَعَادَهُمْ . وَكَذَلِكَ حَكَى الْقَوْلَيْنِ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ وَرَجَّحَ الْقَوْلَ الثَّانِيَ ، وَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ وَمَالَ إِلَيْهِ 3 .
وَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالرُّبُوبِيَّةِ أَمْرٌ فِطْرِيٌّ ، وَالشِّرْكَ حَادِثٌ طَارِئٌ ، وَالْأَبْنَاءُ تَقَلَّدُوهُ 4 عَنِ الْآبَاءِ ، فَإِذَا احْتَجُّوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَنَّ الْآبَاءَ أَشْرَكُوا وَنَحْنُ جَرَيْنَا عَلَى عَادَتِهِمْ كَمَا يَجْرِي النَّاسُ عَلَى عَادَةِ آبَائِهِمْ فِي الْمَطَاعِمِ وَالْمَلَابِسِ وَالْمَسَاكِنِ ، يُقَالُ لَهُمْ : أَنْتُمْ كُنْتُمْ مُعْتَرِفِينَ 5 بِالصَّانِعِ ، مُقِرِّينَ بِأَنَّ اللَّهَ ربكم لا شريك له ، وقد
هامش
1 في الأصل : لو عذبهم .
2 في الأصل : أشهد .
3 قال الشيخ عفيفي : انظر المسألة 18 من " الروح " لابن القيم .
4 في الأصل : يقلدون .
5 في الأصل : مقرون .