تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
وِتْرًا ، فَهُوَ أَيْضًا قَدْ شَفَعَ الْمَشْفُوعَ إِلَيْهِ ، وَبِشَفَاعَتِهِ صَارَ فَاعِلًا لِلْمَطْلُوبِ ، فَقَدْ شَفَّعَ الطَّالِبَ وَالْمَطْلُوبَ مِنْهُ ، وَاللَّهُ تَعَالَى وِتْرٌ ، لَا يَشَفَعُهُ أَحَدٌ ، [ فَلَا يَشْفَعُ عِنْدَهُ أَحَدٌ ] إِلَّا بِإِذْنِهِ ، فَالْأَمْرُ كُلُّهُ إِلَيْهِ ، فَلَا شَرِيكَ لَهُ بِوَجْهٍ . فَسَيِّدُ الشُّفَعَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا سَجَدَ وَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى فَقَالَ لَهُ اللَّهُ : ارْفَعْ رَأْسَكَ ، وَقُلْ يُسْمَعْ ، [ وَاسْأَلْ تُعْطَهْ ] ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ ، فَيَحُدُّ لَهُ حَدًّا فَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ ، فَالْأَمْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ . كَمَا قَالَ تَعَالَى : { قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ } [ آلِ عِمْرَانَ : 154 ] . وَقَالَ تَعَالَى : { لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ } [ آلِ عِمْرَانَ : 128 ] . وَقَالَ تَعَالَى : { أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ } [ الْأَعْرَافِ : 54 ] ، فَإِذَا كَانَ لَا يَشْفَعُ عِنْدَهُ أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ لِمَنْ يَشَاءُ ، وَلَكِنْ يُكْرِمُ الشَّفِيعَ بِقَبُولِ شَفَاعَتِهِ ، كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا ، وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا يَشَاءُ " . وَفِي " الصَّحِيحِ " : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ، لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ، يَا صَفِيَّةُ يَا عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا أَمْلِكُ لَكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ، يَا عَبَّاسُ عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ ، لَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا " 3 . وَفِي " الصَّحِيحِ " أَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ ، أَوْ شَاةٌ لَهَا يُعَارٌ ، أَوْ رِقَاعٌ تَخْفِقُ ، فَيَقُولُ : أَغِثْنِي أَغِثْنِي ، فَأَقُولُ : قَدْ أَبْلَغْتُكَ ، لَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ " 4 . فَإِذَا كَانَ سَيِّدُ الْخَلْقِ وَأَفْضَلُ الشُّفَعَاءِ يَقُولُ لِأَخَصِّ النَّاسِ بِهِ : لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فَمَا الظَّنُّ بِغَيْرِهِ ؟ وَإِذَا دَعَاهُ الدَّاعِي ، وَشَفَعَ عِنْدَهُ الشَّفِيعُ ، فَسَمِعَ الدُّعَاءَ ، وَقَبِلَ الشَّفَاعَةَ ، لَمْ يَكُنْ هَذَا هُوَ الْمُؤَثِّرُ فِيهِ كَمَا يُؤَثِّرُ الْمَخْلُوقُ فِي الْمَخْلُوقِ ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ [ وَتَعَالَى ] هُوَ الَّذِي جَعَلَ هَذَا يَدْعُو وَيَشْفَعُ ، وَهُوَ الْخَالِقُ لِأَفْعَالِ الْعِبَادِ ، فَهُوَ الَّذِي وَفَّقَ الْعَبْدَ لِلتَّوْبَةِ ثُمَّ قَبِلَهَا ، وَهُوَ الَّذِي وَفَّقَهُ لِلْعَمَلِ ثُمَّ أَثَابَهُ ، وَهُوَ الَّذِي وَفَّقَهُ لِلدُّعَاءِ ثُمَّ أَجَابَهُ . وَهَذَا مُسْتَقِيمٌ عَلَى أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْقَدَرِ ، وَأَنَّ الله خالق كل شيء .
هامش
1 سقط سهوا فهو بأذن . 2 متفق عليه من حديث أبي موسى . وهو مخرج في " الصحيحة " " 1464 " . 3 أخرجه مسلم " 1 / 133 " من حديث أبي هريرة بأتم منه مركبا من روايتين عنه . 4 أخرجه البخاري " 2 / 266 " ومسلم " 6 / 10 " وأحمد " 2 / 426 " مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 239 | ابن أبي العز الحنفي / جماعة من العلماء