تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
الْمُقَلِّدِ مَعَ الْعَالِمِ الْمُجْتَهِدِ ، بَلْ هُوَ دُونَ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ ، فَإِنَّ الْعَامِّيَّ يُمْكِنُهُ أَنْ يَصِيرَ عالما ، ولا يمكن العالم أَنْ يَصِيرَ نَبِيًّا رَسُولًا ، فَإِذَا عَرَفَ الْعَامِّيُّ الْمُقَلِّدُ عَالِمًا ، فَدَلَّ عَلَيْهِ عَامِّيًّا آخَرَ , ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمُفْتِي وَالدَّالُّ ، فَإِنَّ الْمُسْتَفْتِيَ يَجِبُ عَلَيْهِ قَبُولُ قَوْلِ الْمُفْتِي ، دُونَ الدَّالِّ ، فَلَوْ قَالَ الدَّالُّ : الصَّوَابُ مَعِي دُونَ الْمُفْتِي ؛ لِأَنِّي أَنَا الأصل في علمك بأنك مُفْتٍ ، فَإِذَا قَدَّمْتَ قَوْلَهُ عَلَى قَوْلِي قَدَحْتَ في الأصل الذي به عرف أَنَّهُ مُفْتٍ ، فَلَزِمَ الْقَدْحُ فِي فَرْعِهِ ! فَيَقُولُ لَهُ الْمُسْتَفْتِي : أَنْتَ لَمَّا شَهِدْتَ لَهُ بِأَنَّهُ مُفْتٍ ، وَدَلَلْتَ عَلَيْهِ ، شَهِدْتَ لَهُ بِوُجُوبِ تَقْلِيدِهِ دُونَكَ ، فَمُوَافَقَتِي لَكَ فِي هَذَا الْعَلَمِ الْمُعَيَّنِ ، لَا تَسْتَلْزِمُ مُوَافَقَتَكَ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ ، وَخَطَؤُكُ فِيمَا خَالَفْتَ فِيهِ الْمُفْتِيَ الَّذِي هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ ، لَا يَسْتَلْزِمُ خَطَأَكَ فِي عِلْمِكَ بِأَنَّهُ مُفْتٍ ، هَذَا مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ ذَلِكَ الْمُفْتِيَ قَدْ يُخْطِئُ . وَالْعَاقِلُ يَعْلَمُ أَنَّ الرَّسُولَ مَعْصُومٌ فِي خَبَرِهِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى ، لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ التَّسْلِيمُ لَهُ وَالْانْقِيَادُ لِأَمْرِهِ ، وَقَدْ عَلِمْنَا بِالْاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ أَنَّ الرَّجُلَ لَوْ قَالَ لِلرَّسُولِ : هَذَا الْقُرْآنُ الَّذِي تُلْقِيهِ عَلَيْنَا ، وَالْحِكْمَةُ الَّتِي جِئْتَنَا بِهَا ، قَدْ تَضَمَّنَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَشْيَاءَ كَثِيرَةً تُنَاقِضُ مَا عَلِمْنَاهُ بِعُقُولِنَا ، وَنَحْنُ إِنَّمَا عِلِمْنَا صِدْقَكَ بِعُقُولِنَا ، فَلَوْ قَبِلْنَا جَمِيعَ مَا تَقُولُهُ مَعَ أَنَّ عُقُولَنَا تُنَاقِضُ ذَلِكَ لَكَانَ قَدْحًا فِي مَا عَلِمْنَا بِهِ صِدْقَكَ ، فَنَحْنُ نَعْتَقِدُ مُوجِبَ العقول الناقضة لِمَا ظَهَرَ مِنْ كَلَامِكَ ، وَكَلَامُكَ نُعْرِضُ عَنْهُ ، لَا نَتَلَقَّى مِنْهُ هَدْيًا وَلَا عِلْمًا ، لَمْ يَكُنْ مِثْلُ هَذَا الرَّجُلِ مُؤْمِنًا بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ، وَلَمْ يَرْضَ مِنْهُ الرَّسُولُ بِهَذَا ، بَلْ يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا لَوْ سَاغَ لَأَمْكَنَ كل أحد أن يُؤْمِنَ بِشَيْءٍ مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ، إِذِ الْعُقُولُ مُتَفَاوِتَةٌ ، وَالشُّبُهَاتٌ كَثِيرَةٌ ، وَالشَّيَاطِينُ لَا تَزَالُ تلقي الوسواس فِي النُّفُوسِ ، فَيُمْكِنُ كُلُّ أَحَدٍ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ هَذَا فِي كُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ وَمَا أَمَرَ بِهِ ! ! وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ } [ النُّورِ : 54 ] . وَقَالَ : { فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } [ النَّحْلِ : 35 ] . وَقَالَ تَعَالَى : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ } [ إِبْرَاهِيمَ : 4 ] . { قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ } [ الْمَائِدَةِ : 15 ] . { حم ، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ } [ الدخان : 1 , 2 ] . { تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ } [ يُوسُفَ : 2 ] . { مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [ يُوسُفَ : 111 ] . { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ