تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
وَاضِحٌ ، فَإِنَّ الْعَقْلَ هُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَى صِدْقِ السَّمْعِ وَصِحَّتِهِ ، وَأَنَّ خَبَرَهُ مُطَابِقٌ لِمُخْبِرِهِ ، فَإِنْ جَازَ أَنْ تَكُونَ الدَّلَالَةُ بَاطِلَةً لِبُطْلَانِ النَّقْلِ لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ الْعَقْلُ دَلِيلًا صَحِيحًا ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ دَلِيلًا صَحِيحًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُتَّبَعَ بِحَالٍ ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُقَدَّمَ ، فَصَارَ تَقْدِيمُ الْعَقْلِ عَلَى النَّقْلِ قَدْحًا فِي الْعَقْلِ . فَالْوَاجِبُ كَمَالُ التَّسْلِيمِ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْانْقِيَادُ لِأَمْرِهِ ، وَتَلَقِّي خَبَرَهُ بالقبول والتصديق ، دون أن نعارضه بخيال باطل نسميه معقولا ، أو نحمله شبهة أو شكا ، أو نقدم عليه آراء الرجال وزبالة أذهانهم ، فنوحده بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان ، كما نوحد المرسل بالعبادة والخصوع وَالذُّلِّ وَالْإِنَابَةِ وَالتَّوَكُّلِ . فَهُمَا تَوْحِيدَانِ ، لَا نَجَاةَ لِلْعَبْدِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ إِلَّا بِهِمَا : تَوْحِيدُ المرسل ، وتوحيد متابعة الرسول ، فلا نحاكم إلى غيره ، ولا نرضى بحكم غيره ، ولا نوقف تَنْفِيذَ أَمْرِهِ وَتَصْدِيقَ خَبَرِهِ عَلَى عَرْضِهِ عَلَى قَوْلِ شَيْخِهِ وَإِمَامِهِ وَذَوِي مَذْهَبِهِ وَطَائِفَتِهِ وَمَنْ يُعَظِّمُهُ ، فَإِنْ أَذِنُوا لَهُ نَفَّذَهُ وَقَبِلَ خَبَرَهُ ، وَإِلَّا فَإِنْ طَلَبَ السَّلَامَةَ فَوَّضَهُ إِلَيْهِمْ وَأَعْرَضَ عَنْ أَمْرِهِ وَخَبَرِهِ ، وَإِلَّا حَرَّفَهُ عَنْ مَوَاضِعِهِ ، وَسَمَّى تَحْرِيفَهُ تَأْوِيلًا وَحَمْلًا ، فَقَالَ : نُؤَوِّلُهُ وَنَحْمِلُهُ . فَلَأَنْ يَلْقَى الْعَبْدُ رَبَّهُ بِكُلِّ ذَنْبٍ - مَا خَلَا الْإِشْرَاكَ بِاللَّهِ - خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَلْقَاهُ بِهَذِهِ الْحَالِ . بَلْ إِذَا بَلَغَهُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ يَعُدُّ نَفْسَهُ كَأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَهَلْ يَسُوغُ أَنْ يُؤَخِّرَ قَبُولَهُ وَالْعَمَلَ بِهِ حَتَّى يَعْرِضَهُ عَلَى رَأْيِ فُلَانٍ وَكَلَامِهِ وَمَذْهَبِهِ ؟ ! بَلْ كَانَ الْفَرْضُ الْمُبَادَرَةَ إِلَى امْتِثَالِهِ ، مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ إِلَى سِوَاهُ ، وَلَا يُسْتَشْكَلُ قَوْلُهُ لِمُخَالَفَتِهِ رَأْيَ فلان ، بل يستشكل الْآرَاءُ لِقَوْلِهِ ، وَلَا يُعَارَضُ نَصُّهُ بِقِيَاسٍ ، بَلْ نهدر الأقيسة ، ونتلقى نصوصه ، ولا نحرف كَلَامُهُ عَنْ حَقِيقَتِهِ ، لِخَيَالٍ يُسَمِّيهِ أَصْحَابُهُ مَعْقُولًا ، نَعَمْ هُوَ مَجْهُولٌ ، وَعَنِ الصَّوَابِ مَعْزُولٌ ! وَلَا يوفق قَبُولُ قَوْلِهِ عَلَى مُوَافَقَةِ فُلَانٍ دُونَ فُلَانٍ ، كَائِنًا مَنْ كَانَ . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : لَقَدْ جَلَسْتُ أَنَا وَأَخِي مَجْلِسًا مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهِ حُمْرَ النَّعَمِ ، أَقْبَلْتُ أَنَا وَأَخِي ، وَإِذَا مَشْيَخَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُلُوسٌ عِنْدَ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِهِ ، فَكَرِهْنَا أَنْ نُفَرِّقَ بَيْنَهُمْ ، فَجَلَسْنَا حَجْرَةً ، إِذْ ذَكَرُوا آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ ، فَتَمَارَوْا فِيهَا ، حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمْ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُغْضَبًا ، قَدِ احمر
شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 200 | ابن أبي العز الحنفي / جماعة من العلماء