تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
مُتَعَدِّدَةٍ وَأَلْفَاظٍ أُخَرَ ، مَعْنَاهَا أَنَّ الزِّيَادَةَ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , وَكَذَلِكَ فَسَّرَهَا الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ [ ذَلِكَ ] عَنْ جَمَاعَةٍ ، مِنْهُمْ : أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَحُذَيْفَةُ ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . وَقَالَ تَعَالَى : { كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ } [ الْمُطَفِّفِينَ : 15 ] . احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى الرُّؤْيَةِ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ ، ذَكَرَ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ الْمُزَنِيِّ عَنِ الشَّافِعِيِّ , وَقَالَ الْحَاكِمُ : حَدَّثَنَا الْأَصَمُّ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : حَضَرْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيَّ ، وَقَدْ جَاءَتْهُ رُقْعَةٌ مِنَ الصَّعِيدِ فِيهَا : مَا تَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ } ؟ [ الْمُطَفِّفِينَ : 15 ] فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَمَّا أَنَّ حُجِبَ هَؤُلَاءِ فِي السُّخْطِ ، كَانَ فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَوْلِيَاءَهُ يرونه في الرضى . وأما استدلال المعتزلة بقوله تعالى : { لَنْ تَرَانِي } [ الْأَعْرَافِ : 143 ] ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى : { لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ } , فَالْآيَتَانِ دَلِيلٌ عَلَيْهِمْ : أَمَّا الْآيَةُ الْأُولَى : فَالْاسْتِدْلَالُ مِنْهَا عَلَى ثُبُوتِ رُؤْيَتِهِ مِنْ وُجُوهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ لَا يُظَنُّ بِكَلِيمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ الْكَرِيمِ وَأَعْلَمِ النَّاسِ بِرَبِّهِ فِي وَقْتِهِ , أَنْ يَسْأَلَ مَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ ، بَلْ هُوَ عِنْدَهُمْ مِنْ أَعْظَمِ الْمُحَالِ . الثَّانِي : أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ سُؤَالَهُ ، وَلَمَّا سَأَلَ نُوحٌ رَبَّهُ نَجَاةَ ابْنِهِ أَنْكَرَ سُؤَالَهُ ، وَقَالَ : { إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ } [ هُودٍ : 46 ] . الثَّالِثُ : أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ : { لَنْ تَرَانِي } ، وَلَمْ يَقُلْ : إِنِّي لَا أُرَى ، أَوْ لَا تَجُوزُ رُؤْيَتِي ، أَوْ لَسْتُ بِمَرْئِيٍّ , وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْجَوَابَيْنِ ظَاهِرٌ , أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ كَانَ فِي كُمِّهِ حَجَرٌ فَظَنَّهُ رَجُلٌ طَعَامًا فَقَالَ : أَطْعِمْنِيهِ ، فَالْجَوَابُ الصَّحِيحُ : أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ ، أَمَّا إِذَا كَانَ طَعَامًا صَحَّ أَنْ يُقَالَ : إِنَّكَ لَنْ تَأْكُلَهُ , وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ مَرْئِيٌّ ، وَلَكِنَّ مُوسَى لَا تَحْتَمِلُ قُوَاهُ رُؤْيَتَهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ ، لِضَعْفِ قُوَى الْبَشَرِ فِيهَا عَنْ رُؤْيَتِهِ تَعَالَى . يُوَضِّحُهُ الْوَجْهُ الرَّابِعُ , وَهُوَ قَوْلُهُ : { وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي } [ الْأَعْرَافِ : 143 ] . فَأَعْلَمَهُ أَنَّ الْجَبَلَ مَعَ قُوَّتِهِ وَصَلَابَتِهِ لَا يَثْبُتُ لِلتَّجَلِّي فِي هَذِهِ الدَّارِ ، فَكَيْفَ بِالْبَشَرِ الَّذِي خُلِقَ مِنْ ضَعْفٍ ؟ الْخَامِسُ : أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ الْجَبَلَ مُسْتَقِرًّا ، وَذَلِكَ مُمْكِنٌ ، وَقَدْ عَلَّقَ بِهِ الرُّؤْيَةَ ،
شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 191 | ابن أبي العز الحنفي / جماعة من العلماء