تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فيَّ بِوَحْيٍ يُتْلَى " 1 . وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ خِلَافَ مَفْهُومِهِ لَوَجَبَ بَيَانُهُ ، إِذْ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ , وَلَا يُعْرَفُ فِي لُغَةٍ وَلَا عَقْلٍ قَائِلٌ مُتَكَلِّمٌ لَا يَقُومُ بِهِ الْقَوْلُ وَالْكَلَامُ وَإِنْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ فَرُّوا مِنْ ذَلِكَ حَذَرًا مِنَ التَّشْبِيهِ ، فَلَا يُثْبِتُوا صِفَةً غَيْرَهُ ، فَإِنَّهُمْ إِذَا قَالُوا : يَعْلَمُ لَا كَعِلْمِنَا ، قُلْنَا : وَيَتَكَلَّمُ لَا كَتَكَلُّمِنَا ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الصِّفَاتِ , وَهَلْ يُعْقَلُ قَادِرٌ لَا تَقُومُ بِهِ الْقُدْرَةُ ، أَوْ حَيٌّ لَا تَقُومُ بِهِ الْحَيَاةُ ؟ وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ " 2 ، فَهَلْ يَقُولُ عَاقِلٌ : أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَاذَ بِمَخْلُوقٍ ؟ بَلْ هَذَا كَقَوْلِهِ : " أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ , وَأَعُوذُ بِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ " 3 ، وَكَقَوْلِهِ : " أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ " 4 . وَكَقَوْلِهِ : " وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ نُغْتَالَ مِنْ تَحْتِنَا " 5 , كُلُّ هَذِهِ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى . وَهَذِهِ الْمَعَانِي مَبْسُوطَةٌ فِي مَوَاضِعِهَا ، وَإِنَّمَا أُشِيرُ إِلَيْهَا هُنَا إِشَارَةً . وَكَثِيرٌ مِنْ مُتَأَخِّرِي الْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ مَعْنًى واحد ، والتعدد والتكثر والتجزؤ والتبعض حاصل فِي الدَّلَالَاتِ ، لَا فِي الْمَدْلُولِ . وَهَذِهِ الْعِبَارَاتُ مَخْلُوقَةٌ ، وَسُمِّيَتْ " كَلَامَ اللَّهِ " لِدَلَالَتِهَا عَلَيْهِ وَتَأَدِّيهِ بِهَا ، فَإِنْ عُبِّرَ بِالْعَرَبِيَّةِ فَهُوَ قُرْآنٌ ، وَإِنْ عبر بالعبرانية فَهُوَ تَوْرَاةٌ ، فَاخْتَلَفَتِ الْعِبَارَاتُ لَا الْكَلَامُ . قَالُوا : وَتُسَمَّى هَذِهِ الْعِبَارَاتُ كَلَامَ اللَّهِ مَجَازًا ! وَهَذَا الْكَلَامُ فَاسِدٌ ، فَإِنَّ لَازِمَهُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : { وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا } [ الْإِسْرَاءِ : 32 ] ، هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ : { وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ } [ الْبَقَرَةِ : 43 ] . وَمَعْنَى آيَةِ الْكُرْسِي هُوَ مَعْنَى آيَةِ الدَّيْنِ ! وَمَعْنَى سُورَةِ الْإِخْلَاصِ هُوَ مَعْنَى { تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ } [ الْمَسَدِ : 1 ] . وَكُلَّمَا تَأَمَّلَ الْإِنْسَانُ هَذَا الْقَوْلَ تَبَيَّنَ لَهُ فَسَادُهُ ، وعلم أنه مخالف لكلام السلف .
هامش
1 البخاري ومسلم في حديث طويل لها في قصة الإفك . 2 صحيح ، رواه أحمد " 3 / 149 " , وابن السني " 631 " عن عبد الرحمن بن حنبش مرفوعا بسند صحيح . 3 مسلم وقد مضى . 4 صحيح ، وتقدم . 5 صحيح ، وتقدم .