القرآن عن موسى عليه السلام وغيره ، وعن فرعون وإبليس , فإن ذلك كلام الله إخبارا عنهم ، وَكَلَامُ مُوسَى وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ مَخْلُوقٌ ، وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ لَا كَلَامُهُمْ ، وَسَمِعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى ، فَلَمَّا كَلَّمَ مُوسَى كَلَّمَهُ بِكَلَامِهِ الَّذِي هُوَ مِنْ صِفَاتِهِ لَمْ يَزَلْ ، وَصِفَاتُهُ كُلُّهَا خِلَافُ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ ، يَعْلَمُ لَا كَعِلْمِنَا ، وَيَقْدِرُ لَا كَقُدْرَتِنَا ، وَيَرَى لَا كَرُؤْيَتِنَا ، وَيَتَكَلَّمُ لَا كَكَلَامِنَا . انْتَهَى . فَقَوْلُهُ : وَلَمَّا كَلَّمَ 1 مُوسَى كَلَّمَهُ بِكَلَامِهِ الَّذِي هُوَ مِنْ صِفَاتِهِ يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ حِينَ جَاءَ كَلَّمَهُ ، لَا أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ أَزَلًا وَأَبَدًا يَقُولُ يَا مُوسَى ، كَمَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ } [ سورة الْأَعْرَافِ : 143 ] ، فَفُهِمَ مِنْهُ الرَّدُّ عَلَى مَنْ يَقُولُ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ مَعْنًى وَاحِدٌ قَائِمٌ بِالنَّفْسِ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُسْمَعَ ، وَإِنَّمَا يَخْلُقُ اللَّهُ الصَّوْتَ فِي الْهَوَاءِ ، كَمَا قَالَ أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ وَغَيْرُهُ . وَقَوْلُهُ : الَّذِي هُوَ مِنْ صِفَاتِهِ لَمْ يَزَلْ رَدٌّ عَلَى مَنْ يَقُولُ أَنَّهُ حَدَثَ لَهُ وَصْفُ الْكَلَامِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا .
وَبِالْجُمْلَةِ : فَكُلُّ مَا تَحْتَجُّ بِهِ الْمُعْتَزِلَةُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَلَامٌ مُتَعَلِّقٌ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ ، وَأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ إِذَا شَاءَ ، وَأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ، فَهُوَ حَقٌّ يَجِبُ قبوله , وما يقوله مَنْ يَقُولُ : إِنَّ كَلَامَ اللَّهِ قَائِمٌ بِذَاتِهِ ، وَأَنَّهُ صِفَةٌ لَهُ , وَالصِّفَةُ لَا تَقُومُ إِلَّا بِالْمَوْصُوفِ : فَهُوَ حَقٌّ يَجِبُ قَبُولُهُ وَالْقَوْلُ بِهِ , فَيَجِبُ الْأَخْذُ بِمَا فِي قَوْلِ كُلٍّ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ مِنَ الصَّوَابِ ، وَالْعُدُولِ عَمَّا يَرُدُّهُ الشَّرْعُ وَالْعَقْلُ مِنْ قَوْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا .
فَإِذَا قَالُوا لَنَا : فَهَذَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ الْحَوَادِثُ قَامَتْ بِهِ , قُلْنَا : هَذَا الْقَوْلُ مُجْمَلٌ ، وَمَنْ أَنْكَرَ قَبْلَكُمْ قِيَامَ الْحَوَادِثِ بِهَذَا الْمَعْنَى بِهِ تَعَالَى مِنَ الْأَئِمَّةِ ؟ وَنُصُوصُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ تَتَضَمَّنُ ذَلِكَ ، وَنُصُوصُ الْأَئِمَّةِ أَيْضًا ، مَعَ صَرِيحِ الْعَقْلِ .
وَلَا شَكَّ أَنَّ الرُّسُلَ الَّذِينَ خَاطَبُوا النَّاسَ وَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَالَ وَنَادَى وَنَاجَى وَيَقُولُ ، لَمْ يُفْهِمُوهُمْ أَنَّ هَذِهِ مَخْلُوقَاتٌ مُنْفَصِلَةٌ عَنْهُ ، بَلِ الَّذِي أَفْهَمُوهُمْ إِيَّاهُ أَنَّ اللَّهَ نَفْسَهُ هُوَ الَّذِي تَكَلَّمَ ، وَالْكَلَامُ قَائِمٌ بِهِ لَا بِغَيْرِهِ ، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ وَقَالَهُ ، كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي حَدِيثِ الإفك : " ولشأني في نفسي كان أحقر
هامش
1 في المطبوعة " ولما كان " وهو خطأ .