وَيَجْعَلُونَ هَذَا غَايَةَ الْحِكْمَةِ وَنِهَايَةَ الْكَمَالِ الْإِنْسَانِيِّ ، وَيُوَافِقُهُمْ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ مَنْ يُطْلِقُ هَذِهِ الْعِبَارَةَ , وَيُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " تَخَلَّقُوا بِأَخْلَاقِ اللَّهِ " 1 ، فَإِذَا كَانُوا يَنْفُونَ الصِّفَاتِ ، فَبِأَيِّ شَيْءٍ يَتَخَلَّقُ الْعَبْدُ عَلَى زَعْمِهِمْ ؟ ! وَكَمَا أَنَّهُ لَا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ تَعَالَى ، لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ ، لَكِنَّ الْمُخَالِفَ فِي هَذَا النَّصَارَى وَالْحُلُولِيَّةُ وَالِاتِّحَادِيَّةُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى , وَنَفْيُ مُشَابَهَةِ شَيْءٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ لَهُ ، مُسْتَلْزِمٌ لِنَفْيِ مُشَابَهَتِهِ لِشَيْءٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ . فَلِذَلِكَ اكْتَفَى الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ بقوله ولا يشبهه الْأَنَامَ , وَالْأَنَامُ : النَّاسُ ، وَقِيلَ ، كُلُّ ذِي رُوحٍ ، وَقِيلَ : الثَّقَلَانِ . وَظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى : { وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ } [ سورة الرَّحْمَنِ : 10 ] , يَشْهَدُ لِلْأَوَّلِ أَكْثَرَ مِنَ الْبَاقِي . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ : " حَيٌّ لَا يَمُوتُ قَيُّومٌ لَا يَنَامُ " .
ش : قَالَ تَعَالَى : { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ } [ سورة الْبَقَرَةِ : 255 ] ، فَنَفْيُ السِّنَة وَالنَّوْمِ دَلِيلٌ عَلَى كَمَالِ حَيَاتِهِ وَقَيُّومِيَّتِهِ . وَقَالَ تَعَالَى : { ألم ، اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ، نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ } . وقال تعالى : { وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ } [ سورة طَه : 111 ] . وَقَالَ تَعَالَى : { وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ } [ الْفُرْقَانِ : 58 ] . وَقَالَ تَعَالَى : { هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ } [ سورة غافر : 65 ] , وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ " 2 ، الْحَدِيثَ .
لَمَّا نَفَى الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ التَّشْبِيهَ ، أَشَارَ إِلَى مَا تَقَعُ بِهِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ ، بِمَا يَتَّصِفُ بِهِ تَعَالَى دُونَ خَلْقِهِ , فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ حَيٌّ لَا يَمُوتُ ؛ لِأَنَّ صِفَةَ الْحَيَاةِ الْبَاقِيَةِ مُخْتَصَّةٌ بِهِ تَعَالَى ، دُونَ خَلْقِهِ ، فَإِنَّهُمْ يَمُوتُونَ , وَمِنْهُ : أَنَّهُ قَيُّومٌ لا ينام ، إذ هو مختص
هامش
1 لا نعرف له أصلا في شيء من كتب السنة ، ولا في " الجامع الكبير " للسيوطي ، نعم أورده في كتابه " تأييد الحقيقة العلية " " ق 89 / 1 " ، لكنه لم يعزه لأحد !
2 رواه مسلم وابن ماجة وأبو سعيد الدارمي في " الرد على الجهمية " وقد قام بطبعه المكتب الإسلامي ، وهو طرف من حديث أبي موسى الأشعري ، وسيأتي بتمامه " رقم 171 " .