تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
وَقَوْلُهُ : " بِغَيْرِ إِحَاطَةٍ وَلَا كَيْفِيَّةٍ " هَذَا لِكَمَالِ عَظَمَتِهِ وَبَهَائِهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَلَا تُحِيطُ بِهِ ، كَمَا يُعْلَمُ وَلَا يُحَاطُ بِهِ عِلْمًا . قَالَ تَعَالَى : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ } ( 1 ) . وَقَالَ تَعَالَى : { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } ( 2 ) . وَقَوْلُهُ : " وَتَفْسِيرُهُ عَلَى مَا أَرَادَ اللَّهُ وَعَلِمَهُ " إِلَى أَنْ قَالَ : " لَا نَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مُتَأَوِّلِينَ بِآرَائِنَا وَلَا مُتَوَهِّمِينَ بِأَهْوَائِنَا " أَيْ كَمَا فَعَلَتِ الْمُعْتَزِلَةُ بِنُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي الرُّؤْيَةِ ، وَذَلِكَ تَحْرِيفٌ لِكَلَامِ اللَّهِ وَكَلَامِ رَسُولِهِ عَنْ مَوَاضِعِهِ . فَالتَّأْوِيلُ الصَّحِيحُ هُوَ الَّذِي يُوَافِقُ مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ ، وَالْفَاسِدُ الْمُخَالِفُ لَهُ . فَكُلُّ تَأْوِيلٍ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ مِنَ السِّيَاقِ ، وَلَا مَعَهُ قَرِينَةٌ تَقْتَضِيهِ ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَقْصِدُهُ الْمُبَيِّنُ الْهَادِي بِكَلَامِهِ ، إِذْ لَوْ قَصَدَهُ لَحَفَّ بِالْكَلَامِ قَرَائِنَ تَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى الْمُخَالِفِ لِظَاهِرِهِ ، حَتَّى لَا يُوقِعَ السَّامِعَ فِي اللَّبْسِ وَالْخَطَأِ ، فَإِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ كَلَامَهُ بَيَانًا وَهُدًى ، فَإِذَا أَرَادَ بِهِ خِلَافَ ظَاهِرِهِ ، وَلَمْ يَحُفَّ بِهِ قَرَائِنَ تَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي يَتَبَادَرُ غَيْرُهُ إِلَى فَهْمِ كُلِّ أَحَدٍ ، لَمْ يَكُنْ بَيَانًا وَلَا هُدًى . فَالتَّأْوِيلُ إِخْبَارٌ بِمُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ لَا إِنْشَاءٌ . وَفِي هَذَا الْمَوْضِعِ يَغْلَطُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ فَهْمُ مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ بِكَلَامِهِ ، فَإِذَا قِيلَ : مَعْنَى اللَّفْظِ كَذَا وَكَذَا ، كَانَ إِخْبَارًا بِالَّذِي عَنَاهُ الْمُتَكَلِّمُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْخَبَرُ مُطَابِقًا كَانَ كَذِبًا عَلَى الْمُتَكَلِّمِ . وَيُعْرَفُ مُرَادُ الْمُتَكَلِّمِ بِطُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ : مِنْهَا : أَنْ يُصَرِّحَ بِإِرَادَةِ ذَلِكَ الْمَعْنَى . وَمِنْهَا : أَنْ يَسْتَعْمِلَ اللَّفْظَ الَّذِي لَهُ مَعْنًى ظَاهِرٌ بِالْوَضْعِ ، وَلَا يُبَيِّنُ بِقَرِينَةٍ تَصْحَبُ الْكَلَامَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ الْمَعْنَى ، فَكَيْفَ إِذَا حُفَّ بِكَلَامِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ حَقِيقَتَهُ وَمَا وُضِعَ لَهُ ، كَقَوْلِهِ : { وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا } ( 3 ) . و « إِنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا كَمَا
هامش
( 1 ) سورة الْأَنْعَامِ آية 103 . ( 2 ) سورة طه آية 110 . ( 3 ) سورة النِّسَاءِ آية 164 .
شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 164 | ابن أبي العز الحنفي / جماعة من العلماء