واختير لفظ الشهادة دونهما لأنها أبلغ في معناها وأظهر منهما لكونها مستعملة في ظواهر
الأشياء وبواطنها بخلاف العلم واليقين فإنهما يستعملان غالبا في البواطن فقط ، ولذا لو أتى
الشاهد بلفظ أعلم أو أتيقن مكان أشهد لم تقبل شهادته . وإنما ذكرنا بعض معاني
التشهد لما أن المصلي يقصد بهذه الألفاظ معانيها مرادة له على وجه الانشاء منه كما صرح به
في المجتبى بقوله : ولا بد من أن يقصد بألفاظ التشهد معناها التي وضعت لها من عنده كأنه
يحيي الله ويسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى نفسه وأوليائه ا ه . وعلى هذا فالضمير في قوله السلام
علينا عائد إلى الحاضرين من الإمام والمأموم والملائكة كما نقله في الغاية عن النووي
واستحسنه ، وبهذا يضعف ما ذكره في السراج الوهاج أن قوله السلام عليك أيها النبي
حكاية سلام الله عليه لا ابتداء سلام من المصلي عليه .
واحترز بتشهد ابن مسعود عن غيره ليخرج تشهد عمر رضي الله عنه وهو :
التحيات لله الزاكيات لله الطيبات الصلوات لله ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ،
السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده
ورسوله . رواه مالك في الموطأ وعمل به إلا أنه زاد عليه وحده لا شريك له الثابت في
تشهد عائشة المروي في الموطأ أيضا ، وبه علم تشهدها . وخرج تشهد ابن عباس رضي الله
عنهما المروي في مسلم وغيره مرفوعا : التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله ، السلام
عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله
إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ، إلا أن في رواية الترمذي : سلام عليك بالتنكير . وبهذا
أخذ الشافعي وقال : إنه أكمل التشهد . ورجح مشايخنا تشهد ابن مسعود بوجوه عشرة ذكرها
الشارح وغيره أحسنها أن حديثه اتفق عليه الأئمة الستة في كتبهم لفظا ومعنى . واتفق
المحدثون على أنه أصح أحاديث التشهد بخلاف غيره حتى قال الترمذي : إن أكثر أهل العلم
عليه من الصحابة والتابعين . وممن عمل به أبو بكر الصديق رضي الله عنه وكان يعلمه الناس
على المنبر كالقرآن . ثم وقع لبعض الشارحين أنه قال : والاخذ بتشهد ابن مسعود أولى فيفيد
أن الخلاف في الأولوية حتى لو تشهد بغيره كان آتيا بالواجب والظاهر خلافه ، لأنهم جعلوا
البحر الرائق — صفحة 567
مساهمون: ابن نجيم المصري
ص٥٦٧