تدل على وقوعه فإن دل دليل على التكرار عمل به وإلا فلا تقتضيه بوضعها ، وقد قالت عائشة
رضي الله عنها ، كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لحله قبل أن يطوف ، ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لم يحج بعد
أن صحبته عائشة إلا حجة واحدة وهي حجة الوداع فاستعملت كان في مرة واحدة ، ولا
يقال لعلها طيبته في إحرامه لأن المعتمر لا يحل له التطيب قبل الطواف بالاجماع فثبت أنها
استعملت كان في مرة واحدة كما قال الأصوليون . ذكره النووي في شرح مسلم من باب
الوتر ، واختاره المحقق في التحرير فإنه اختار أن إفادتها للتكرار من جهة الاستعمال لا من جهة
الوضع لكن الاستعمال مختلف كما رأيت . وقد علم مما ذكرنا أن التقييد بالانقاء إنما هو
لحصول السنة حتى لو لم ينق فإن السنة قد فاتت لا أنه قيد للجواز . وأطلق الخارج ولم يقيده
بكونه معتادا ليفيد أن غير المعتاد إذا أصاب المحل كالدم يطهر بالحجارة على الصحيح ، سواء
كان خارجا منه أو لا ، وليفيد أنه لا فرق بين أن يكون الغائط رطبا ولم يقم من موضعه أو قام
من موضعه أو جف الغائط فإن الحجر كاف فيه ، وفي الثاني خلاف ذكره في السراج الوهاج .
وأراد بنحو الحجر ما كان عينا طاهرة مزيلة لا قيمة له كالمدر والتراب والعود والخرقة والقطن
والجلد الممتهن ، فخرج الزجاج والثلج والآجر والخزف والفحم .
قوله : ( وما سن فيه عدد ) أي في الاستنجاء لما قدمنا من أن المقصود إنما هو الانقاء ،
وشرط الشافعي الثلاث مبني على أن الاستنجاء فرض ولا نقول به ، وذكر الثلاث في بعض
الأحاديث خرج مخرج العادة لأن الغالب حصول الانقاء بها ، أو يحمل على الاستحباب بدليل
أنه لو استنجى بحجر له ثلاثة أحرف جاز عندهم ، وبدليل أنه لما أتى له عليه الصلاة والسلام
بحجرين وروثة ألقى الروثة واقتصر على الحجرين . كذا ذكر أئمتنا ، وتعقبه شيخ الاسلام ابن
حجر في فتح الباري بأن الامر أولا بإتيان ثلاثة أحجار يغني عن طلب ثالث بعد إلقاء
الروثة ، وبأنه ورد في بعض الروايات الصحيحة أنه طلب منه ثالثا وأتى له به . وبما قررناه
علم أن المراد نفي السنة المؤكدة وإلا فقد صرحوا بالاستحباب كما قدمناه . قوله : ( وغسله
بالماء أحب ) أي غسل المحل بالماء أفضل لأنه قالع للنجاسة والحجر مخفف لها فكان الماء أولى .
كذا ذكره الشارح الزيلعي ، وهو ظاهر في أن المحل لم يطهر بالحجر ، ويتفرع عليه أنه يتنجس
السبيل بإصابة الماء وفيه الخلاف المعروف في مسألة الأرض إذا جفت بعد التنجس ثم أصابها
ماء وكذا في نظائرها . وقد اختاروا في الجميع عدم عود النجاسة كما قدمناه عنهم فليكن
كذلك هنا . ويدل على ذلك من السنة ما رواه الدارقطني وصححه عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم نهى
البحر الرائق — صفحة 418
مساهمون: ابن نجيم المصري
ص٤١٨