لَمْ أَكْذِبْ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا كَذَبْتُ لَهُ .
وَحُكِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْمَعْرُوفِ بِالْأُرْدُنِّيِّ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا كَانَ الْكَلَامُ حَسَنًا لَمْ أَرَ بَأْسًا أَنْ أَجْعَلَ لَهُ إِسْنَادًا . فَلِذَلِكَ كَانَ يُحَدِّثُ بِالْمَوْضُوعَاتِ ، وَقَدْ قُتِلَ فِي الزَّنْدَقَةِ وَصُلِبَ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ لِهَذَا الْقِسْمِ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ .
وَأَمَّا الْأَمْرُ الثَّانِي : فَإِنَّ قَوْمًا أَغْفَلُوهُ أَيْضًا وَلَمْ يُمْعِنُوا النَّظَرَ حَتَّى اخْتَلَفَ عَلَيْهِمُ الْفَهْمُ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ ، فَأَحَالُوا بِالِاخْتِلَافِ عَلَيْهَا تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِالنَّظَرِ الْأَوَّلِ ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي عَابَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَالِ الْخَوَارِجِ حَيْثُ قَالَ : « يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ » فَوَصَفَهُمْ بِعَدَمِ الْفَهْمِ لِلْقُرْآنِ ، وَعِنْدَ ذَلِكَ خَرَجُوا عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ ، إِذْ قَالُوا : لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ ، وَقَدْ حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي دِينِ اللَّهِ ، حَتَّى بَيَّنَ لَهُمْ حَبْرُ الْقُرْآنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى : { إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ } [ الأنعام : 57 ] عَلَى وَجْهٍ أَذْعَنَ بِسَبَبِهِ مِنْهُمْ أَلْفَانِ ، أَوْ مَنْ رَجَعَ مِنْهُمْ إِلَى الْحَقِّ ، وَتَمَادَى الْبَاقُونَ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ ، اعْتِقَادًا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ : لَا تُنَاظِرُوهُ وَلَا تُخَاصِمُوهُ فَإِنَّهُ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ : { بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ } [ الزخرف : 58 ] .
فَتَأَمَّلُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ كَيْفَ كَانَ فَهْمُهُمْ فِي الْقُرْآنِ . ثُمَّ لَمْ يَزَلْ هَذَا الْإِشْكَالُ يَعْتَرِي أَقْوَامًا حَتَّى اخْتَلَفَتْ عَلَيْهِمُ الْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ ، وَتَدَافَعَتْ عَلَى أَفْهَامِهِمْ فَجَعْجَعُوا بِهِ قَبْلَ إِمْعَانِ النَّظَرِ . عَشَرَةُ أَمْثِلَةٍ لِمَنِ اخْتَلَفَتْ عَلَيْهِمُ الْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ فَظَنُّوا أَنَّ فِي الشَّرِيعَةِ تَنَاقُضًا أَحَدُهَا تَنَاقُضُ آيَةِ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ مَعَ آيَةِ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 823
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٨٢٣