الْجَزْلِ الْفَصِيحِ فَلَا يَكَادُ يَخْتِمُهُ إِلَّا وَقَدْ عَرَضَ لَهُ فِي أَثْنَائِهِ مَا نَقَصَ مِنْ مَنْصِبِ فَصَاحَتِهِ ، وَهَكَذَا تَجِدُ الْقَصِيدَةَ الْوَاحِدَةَ ، مِنْهَا مَا يَكُونُ عَلَى نَسَقِ الْفَصَاحَةِ اللَّائِقَةِ ، وَمِنْهَا مَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ .
وَأَمَّا جِهَةُ الْمَعْنَى ، فَإِنَّ مَعَانِيَ الْقُرْآنِ عَلَى كَثْرَتِهَا أَوْ عَلَى تَكْرَارِهَا بِحَسَبِ مُقْتَضَيَاتِ الْأَحْوَالِ عَلَى حِفْظِ وَبُلُوغِ غَايَةٍ فِي إِيصَالِهَا إِلَى غَايَتِهَا ، مِنْ غَيْرِ إِخْلَالٍ بِشَيْءٍ مِنْهَا ، وَلَا تَضَادٍّ وَلَا تَعَارُضٍ ، عَلَى وَجْهٍ لَا سَبِيلَ إِلَى الْبَشَرِ أَنْ يُدَانُوهُ ، وَلِذَلِكَ لَمَّا سَمِعَتْهُ أَهْلُ الْبَلَاغَةِ الْأُولَى وَالْفَصَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ - وَهُمُ الْعَرَبُ - لَمْ يُعَارِضُوهُ ، وَلَمْ يُغَيِّرُوا فِي وَجْهِ إِعْجَازِهِ بِشَيْءٍ مِمَّا نَفَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ، وَهُمْ أَحْرَصُ مَا كَانُوا عَلَى الِاعْتِرَاضِ فِيهِ وَالْغَضِّ مِنْ جَانِبِهِ ، ثُمَّ لَمَّا أَسْلَمُوا وَعَايَنُوا مَعَانِيَهُ وَتَفَكَّرُوا فِي غَرَائِبِهِ ، لَمْ يَزِدْهُمُ الْبَحْثُ إِلَّا بَصِيرَةً فِي أَنَّهُ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَلَا تَعَارُضَ ، وَالَّذِي نُقِلَ مِنْ ذَلِكَ يَسِيرٌ تَوَقَّفُوا فِيهِ تَوَقُّفَ الْمُسْتَرْشِدِ حَتَّى يُرْشَدُوا إِلَى وَجْهِ الصَّوَابِ ، أَوْ تَوَقُّفَ الْمُتَثَبِّتِ فِي الطَّرِيقِ .
وَقَدْ صَحَّ أَنَّ سَهْلَ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ يَوْمَ صِفِّينَ وَحُكْمِ الْحَكَمَيْنِ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ وَلَوْ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَرُدَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرَهُ لَرَدَدْنَاهُ ، وَايْمُ اللَّهِ مَا وَضَعْنَا سُيُوفَنَا مِنْ عَلَى عَوَاتِقِنَا مُنْذُ أَسْلَمْنَا لِأَمْرٍ يُفْظِعُنَا إِلَّا أَسْهَلَنَّ بِنَا أَمْرٌ نَعْرِفُهُ الْحَدِيثَ .
فَوَجْهُ الشَّاهِدِ مِنْهُ أَمْرَانِ : قَوْلُهُ اتَّهِمُوا الرَّأْيَ فَإِنَّ مُعَارَضَةُ الظَّوَاهِرِ فِي غَالِبِ الْأَمْرِ رَأْيٌ غَيْرُ مَبْنِيٍّ عَلَى أَصْلٍ يُرْجَعُ إِلَيْهِ .
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 819
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٨١٩