تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 799

مساهمون:

ص٧٩٩
ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ ، وَإِنَّمَا وَقَعَ فِي الْجَوَابِ تَعْيِينُ الْوَصْفِ لَا تَعْيِينُ الْمَوْصُوفِ ، فَلِذَلِكَ أَتَى بِمَا أَتَى ، فَظَاهَرُهَا الْوُقُوعُ عَلَى غَيْرِ الْعَاقِلِ مِنَ الْأَوْصَافِ وَغَيْرِهَا ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوْصَافُ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَلَمْ يُطَابِقِ السُّؤَالُ الْجَوَابَ فِي اللَّفْظِ . وَالْعُذْرُ عَنْ هَذَا أَنَّ الْعَرَبَ لَا تَلْتَزِمُ ذَلِكَ النَّوْعَ إِذَا فُهِمَ الْمَعْنَى ، لِأَنَّهُمْ لَمَّا سَأَلُوا عَنْ تَعْيِينِ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ بَيَّنَ لَهُمُ الْوَصْفَ الَّذِي بِهِ صَارَتْ نَاجِيَةً ، فَقَالَ : « مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي » . وَمِمَّا جَاءَ غَيْرَ مُطَابِقٍ فِي الظَّاهِرِ وَهُوَ فِي الْمَعْنَى مُطَابِقٌ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ } [ آل عمران : 15 ] ؟ فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ مَعْنَاهُ : هَلْ أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا ؟ فَكَأَنَّهُ قِيلَ : نَعَمْ ! أَخْبِرْنَا ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ } [ آل عمران : 15 ] الْآيَةَ . أَيْ لِلَّذِينِ اتَّقَوُا اسْتَقَرَّ لَهُمْ { عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ } [ آل عمران : 15 ] الْآيَةَ . فَأَعْطَى مَضْمُونُ الْكَلَامِ مَعْنَى الْجَوَابِ عَلَى غَيْرِ لَفْظِهِ . وَهَذَا التَّقْرِيرُ عَلَى قَوْلِ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ . وَقَالَ تَعَالَى : { مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ } [ محمد : 15 ] الْآيَةَ . فَقَوْلُهُ : مَثَلُ الْجَنَّةِ يَقْتَضِي الْمَثَلَ لَا الْمُمَثَّلُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } [ البقرة : 17 ] وَلِأَنَّهُ كُلَّمَا كَانَ الْمَقْصُودُ الْمُمَثَّلَ جَاءَ بِهِ بِعَيْنِهِ . وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا ذَكَرَ الْفِرَقَ وَذَكَرَ أَنَّ فِيهَا فِرْقَةً نَاجِيَةً ، كَانَ الْأَوْلَى السُّؤَالَ عَنْ أَعْمَالِ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ ، لَا عَنْ نَفْسِ الْفِرْقَةِ .