الْمَرَاتِبِ مَسُوقًا مَسَاقَ التَّبْغِيضِ ، لِقَوْلِهِ :
« وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ » إِلَى آخِرِهِ ، فَدَلَّ أَنَّ ثَمَّ أَقْوَامًا أُخَرَ لَا تَتَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الْأَهْوَاءُ عَلَى مَا قَالَ ، بَلْ هِيَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ ، وَقَدْ لَا تَتَجَارَى بِهِمْ ذَلِكَ .
وَهَذَا التَّفْسِيرُ بِحَسَبِ مَا أَعْطَاهُ الْمَوْضِعُ ، وَتَمَامُ الْمَسْأَلَةِ قَدْ مَرَّ فِي الْبَابِ الثَّانِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ لَا يَكُونُ فِي الْأَحَادِيثِ كُلِّهَا تَخْصِيصٌ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
[ جَاءَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ " أَعْظَمُهَا فِتْنَةً الَّذِينَ يَقِيسُونَ الْأُمُورَ بِرَأْيِهِمْ " ]
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ
أَنَّهُ جَاءَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ : « أَعْظَمُهَا فِتْنَةً الَّذِينَ يَقِيسُونَ الْأُمُورَ بِرَأْيِهِمْ ، فَيُحِلُّونَ الْحَرَامَ وَيُحَرِّمُونَ الْحَلَالَ » فَجَعَلَ أَعْظَمَ تِلْكَ الْفِرَقِ فِتْنَةً عَلَى الْأُمَّةِ أَهْلَ الْقِيَاسِ ، وَلَا كُلَّ قِيَاسٍ ، بَلِ الْقِيَاسُ عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ ، فَإِنَّ أَهْلَ الْقِيَاسِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ يَصِحُّ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ عَلَى أَصْلٍ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ مُعْتَبَرٍ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْقِيَاسِ أَصْلٌ - وَهُوَ الْقِيَاسُ الْفَاسِدُ - فَهُوَ الَّذِي لَا يَصِحُّ أَنْ يُوضَعَ فِي الدِّينِ - فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى مُخَالَفَةِ الشَّرْعِ وَأَنْ يَصِيرَ الْحَلَالُ بِالشَّرْعِ حَرَامًا بِذَلِكَ الْقِيَاسِ ، وَالْحَرَامُ حَلَالًا ، فَإِنَّ الرَّأْيَ مِنْ حَيْثُ هُوَ رَأْيٌ لَا يَنْضَبِطُ إِلَى قَانُونٍ شَرْعِيٍّ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ شَرْعِيٌّ ، فَإِنَّ الْعُقُولَ تَسْتَحْسِنُ مَا لَا يُسْتَحْسَنُ شَرْعًا ، وَتَسْتَقْبِحُ مَا لَا يُسْتَقْبَحُ شَرْعًا . وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ صَارَ الْقِيَاسُ عَلَى غَيْرِ أَصْلِ فِتْنَةً عَلَى النَّاسِ .
ثُمَّ أَخْبَرَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُعَلِّمِينَ لِهَذَا الْقِيَاسِ أَضَرُّ عَلَى النَّاسِ مِنْ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 795
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٧٩٥