تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 655

مساهمون:

ص٦٥٥
فَيَفْتَقِرُ أَصْحَابُ الدَّلِيلِ أَنْ يُبَيِّنُوا أَنَّ مَيْلَ الطِّبَاعِ أَوْ أَهْوَاءِ النُّفُوسِ مِمَّا أُنْزِلَ إِلَيْنَا ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَقُولَ مِنْ أَحْسَنِهِ . وَقَوْلُهُ تَعَالَى : { الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ } [ الزمر : 18 ] الْآيَةَ . يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِ أَنَّ مَيْلَ النُّفُوسِ يُسَمَّى قَوْلًا . وَحِينَئِذٍ يُنْظَرُ إِلَى كَوْنِهِ أَحْسَنَ الْقَوْلِ كَمَا تَقَدَّمَ وَهَذَا كُلُّهُ فَاسِدٌ . ثُمَّ إِنَّا نُعَارِضُ هَذَا الِاسْتِحْسَانَ بِأَنَّ عُقُولَنَا تَمِيلُ إِلَى إِبْطَالِهِ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ ، وَإِنَّمَا الْحُجَّةُ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ الْمُتَلَقَّاةُ مِنَ الشَّرْعِ . وَأَيْضًا ، فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ اسْتِحْسَانُ الْعَوَامِّ وَمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ ، إِذَا فَرَضَ أَنَّ الْحُكْمَ يَتَّبِعُ مُجَرَّدَ مَيْلِ النُّفُوسِ وَهَوَى الطِّبَاعِ ، وَذَلِكَ مُحَالٌ ، لِلْعِلْمِ بِأَنَّ ذَلِكَ مُضَادٌّ لِلشَّرِيعَةِ ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَدِلَّتِهَا . وَأَمَّا الدَّلِيلُ الثَّانِي ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ مِنْ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ ظَاهِرَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنْ « مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ حَسَنٌ » ، وَالْأُمَّةُ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى بَاطِلٍ . فَاجْتِمَاعُهُمْ عَلَى حُسْنِ شَيْءٍ يَدُلُّ عَلَى حُسْنِهِ شَرْعًا ، لِأَنَّ الِاجْتِمَاعَ يَتَضَمَّنُ دَلِيلًا شَرْعِيًّا ، فَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَيْكُمْ لَا لَكُمْ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ خَبَرٌ وَاحِدٌ فِي مَسْأَلَةٍ قَطْعِيَّةٍ فَلَا يُسْمَعُ . وَالثَّالِثُ : أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُرَدْ بِهِ أَهْلُ الْإِجْمَاعِ وَأُرِيدَ بَعْضُهُمْ فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ اسْتِحْسَانُ الْعَوَامِّ ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِإِجْمَاعٍ . لَا يُقَالُ : إِنَّ الْمُرَادَ اسْتِحْسَانُ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ ، لِأَنَّا نَقُولُ : هَذَا تَرْكٌ لِلظَّاهِرِ ، فَيَبْطُلُ الِاسْتِدْلَالُ .