وَالتَّاسِعُ : مَا تَقَدَّمَ أَوَّلًا مِنْ أَنَّ الْأُمَّةَ اسْتَسْحَنَتْ دُخُولَ الْحَمَّامِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ أُجْرَةٍ وَلَا تَقْدِيرِ مُدَّةِ اللَّبْثِ وَلَا تَقْدِيرِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ . وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْمَنْعُ إِلَّا أَنَّهُمْ أَجَازُوا ، لَا كَمَا قَالَ الْمُحْتَجُّونَ عَلَى الْبِدَعِ ، بَلْ لِأَمْرٍ آخَرَ هُوَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ الَّذِي لَيْسَ بِخَارِجٍ عَنِ الْأَدِلَّةِ .
فَأَمَّا تَقْدِيرُ الْعِوَضِ فَالْعُرْفُ هُوَ الَّذِي قَدَّرَهُ فَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّقْدِيرِ .
وَأَمَّا مُدَّةُ اللَّبْثِ وَقَدْرُ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُقَدَّرًا بِالْعُرْفِ أَيْضًا فَإِنَّهُ يَسْقُطُ لِلضَّرُورَةِ إِلَيْهِ . وَذَلِكَ لِقَاعِدَةٍ فِقْهِيَّةٍ ، وَهِيَ أَنَّ نَفْيَ جَمِيعِ الْغَرَرِ فِي الْعُقُودِ لَا يُقَدَرُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ يُضَيِّقُ أَبْوَابَ الْمُعَامَلَاتِ ، وَهُوَ تَحْسِيمُ أَبْوَابِ الْمُفَاوَضَاتِ ، وَنَفْيُ الضَّرَرِ إِنَّمَا يَطْلُبُ تَكْمِيلًا وَرَفْعًا لِمَا عَسَى أَنْ يَقَعَ مِنْ نِزَاعٍ ، فَهُوَ مِنَ الْأُمُورِ الْمُكَمِّلَةِ ، وَالتَّكْمِيلَاتِ إِذَا أَفْضَى اعْتِبَارُهَا إِلَى إِبْطَالِ الْمُكَمِّلَاتِ سَقَطَتْ جُمْلَةً ، تَحْصِيلًا لِلْمُهِمِّ - حَسْبَمَا تَبَيَّنَ فِي الْأُصُولِ - فَوَجَبَ أَنْ يُسَامِحَ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِ الْغَرَرِ الَّتِي لَا يَنْفَكُّ عَنْهَا ، إِذْ يَشُقُّ طَلَبُ الِانْفِكَاكِ عَنْهَا ، فَسُومِحَ الْمُكَلَّفُ بِيَسِيرِ الْغَرَرِ ، لِضِيقِ الِاحْتِرَازِ مَعَ تَفَاهَةِ مَا يَحْصُلُ مِنَ الْغَرَرِ ، وَلَمْ يُسَامَحْ فِي كَثِيرِهِ إِذْ لَيْسَ فِي مَحَلِّ الضَّرُورَةِ ، وَلِعَظِيمِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَرِ ، لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ ، وَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْ بَعْضِ أَنْوَاعِهِ مِمَّا يَعْظُمُ فِيهِ الْغَرَرُ ، فَجُعِلَتْ أُصُولًا يُقَاسُ عَلَيْهَا غَيْرُ الْقَلِيلِ أَصْلًا فِي عَدَمِ الِاعْتِبَارِ وَفِي الْجَوَازِ ، وَصَارَ الْكَثِيرُ فِي حُكْمِ الْمَنْعِ وَدَارَ فِي الْأَصْلَيْنِ فُرُوعٌ يَتَجَاذَبُ الْعُلَمَاءُ النَّظَرَ فِيهَا ، فَإِذَا
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 644
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٦٤٤