فَمِنْ حَقِّ الْمُبْتَدِعِ إِذَا ابْتُلِيَ بِالْبِدْعَةِ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا يَحْمِلَ مَعَ وِزْرِهِ وَزَرَ غَيْرِهِ . وَفِي هَذَا الْوَجْهِ قَدْ يَتَعَذَّرُ الْخُرُوجُ ، فَإِنَّ الْمَعْصِيَةَ فِيمَا بَيْنُ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ يَرْجُو فِيهَا مِنَ التَّوْبَةِ وَالْغُفْرَانِ مَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ مَعَ الدُّعَاءِ إِلَيْهَا ، وَقَدْ مَرَّ فِي بَابِ ذَمِّ الْبِدَعِ وَبَاقِي الْكَلَامِ فِي الْمَسْأَلَةِ سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
[ أَنْ لَا تَفْعَلَ الْبِدْعَةَ فِي مُجْتَمَعَاتِ النَّاسِ أَوْ فِي مَوَاضِعِ إِقَامَةِ السُّنَنِ ]
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ : أَنْ لَا تَفْعَلُ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي هِيَ مُجْتَمَعَاتُ النَّاسِ ، أَوِ الْمَوَاضِعُ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا السُّنَنُ ، وَتُظْهَرُ فِيهَا أَعْلَامُ الشَّرِيعَةِ ، فَأَمَّا إِظْهَارُهَا فِي الْمُجْتَمَعَاتِ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ أَوْ بِمَنْ يُحْسِنُ بِهِ الظَّنَّ فَذَلِكَ مِنْ أَضَرِّ الْأَشْيَاءِ عَلَى سُنَّةِ الْإِسْلَامِ ، فَإِنَّهَا لَا تَعْدُو أَمْرَيْنِ : إِمَّا أَنْ يُقْتَدَى بِصَاحِبِهَا فِيهَا ، فَإِنَّ الْعَوَامَّ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ ، لَا سِيَّمَا الْبِدَعَ الَّتِي وُكِلَ الشَّيْطَانُ بِتَحْسِينِهَا لِلنَّاسِ ، وَالَّتِي لِلنُّفُوسِ فِي تَحْسِينِهَا هَوًى ، وَإِذَا اقْتُدِيَ بِصَاحِبِ الْبِدْعَةِ الصَّغِيرَةِ كَبُرَتْ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ ، لِأَنَّ كُلَّ مَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا ، فَعَلَى حَسَبِ كَثْرَةِ الْأَتْبَاعِ يَعْظُمُ عَلَيْهِ الْوِزْرُ .
وَهَذَا بِعَيْنِهِ مَوْجُودٌ فِي صَغَائِرَ الْمَعَاصِي ، فَإِنَّ الْعَالِمَ مَثَلًا إِذَا أَظْهَرَ الْمَعْصِيَةَ - وَإِنْ صَغُرَتْ - سَهُلَ عَلَى النَّاسِ ارْتِكَابُهَا ، فَإِنَّ الْجَاهِلَ يَقُولُ : لَوْ كَانَ هَذَا الْفِعْلُ كَمَا قَالَ مِنْ أَنَّهُ ذَنْبٌ ، لَمْ يَرْتَكِبْهُ ، وَإِنَّمَا ارْتَكَبَهُ لِأَمْرٍ عَلِمَهُ دُونَنَا . فَكَذَلِكَ الْبِدْعَةُ إِذَا أَظْهَرَهَا الْعَالِمُ الْمُقْتَدَى فِيهَا ، لَا مَحَالَةَ ، فَإِنَّهَا فِي مَظِنَّةِ التَّقَرُّبِ فِي ظَنِّ الْجَاهِلِ ، لِأَنَّ الْعَالِمَ يَفْعَلُهَا عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ ، بَلِ الْبِدْعَةُ أَشَدُّ فِي هَذَا الْمَعْنَى ، إِذِ الذَّنْبُ قَدْ لَا يُتْبِعُ عَلَيْهِ ، بِخِلَافِ الْبِدْعَةِ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 553
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٥٥٣