فَشَبَّهَ الْمُوغِلَ بِالْعُنْفِ بِالْمُنْبَتِّ ، وَهُوَ الْمُنْقَطِعُ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ ؛ [ لِأَنَّهُ عَنَّفَ فِي أَوَّلِهِ ] تَعْنِيفًا عَلَى الظَّهْرِ - وَهُوَ الْمَرْكُوبُ - حَتَّى وَقَفَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى السَّيْرِ ، وَلَوْ رَفَقَ بِدَابَتِهِ ؛ لَوَصَلَ إِلَى رَأْسِ الْمَسَافَةِ .
فَكَذَلِكَ الْإِنْسَانُ ؛ عُمُرُهُ مَسَافَةٌ ، وَالْغَايَةُ الْمَوْتُ ، وَدَابَّتُهُ نَفْسُهُ ، فَكَمَا هُوَ الْمَطْلُوبُ بِالرِّفْقِ عَلَى الدَّابَّةِ حَتَّى يَصِلَ بِهَا ؛ فَكَذَلِكَ هُوَ مَطْلُوبٌ بِالرِّفْقِ بِنَفْسِهِ حَتَّى يَسْهُلَ عَلَيْهَا قَطْعُ مَسَافَةِ الْعُمُرِ بِحِمْلِ التَّكْلِيفِ ، فَنَهَى فِي الْحَدِيثِ عَنِ التَّسَبُّبِ فِي تَبْغِيضِ الْعِبَادَةِ لِلنَّفْسِ ، وَمَا نَهَى الشَّرْعُ عَنْهُ لَا يَكُونُ حَسَنًا .
وَخَرَّجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ؛ قَالَ : « لَمَّا نَزَلَتْ : { يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا - وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا } [ الأحزاب : 45 - 46 ] ، دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا وَمُعَاذًا ، فَقَالَ : " انْطَلِقَا فَبَشِّرَا وَيَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا ؛ فَإِنِّي أُنْزِلَتْ عَلَيَّ : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا » .
وَخَرَّجَ مُسْلِمٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ : « أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ وَمُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ ، فَقَالَ : " بَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا ، وَيَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرًا ، وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا » .
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 390
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٣٩٠